يقول الطاهر بن عاشور:"وأما هاته الآية ففي ذكر طائفة معينة أبطلوا العمل بكلام ثابت في التوراة إذ ألغوا حكم الرجم الثابت فيها دون تعويضه بغيره من الكلام، فهذا أشد جرأة من التحريف الآخر، فكان قوله ... {من بعد مواضعه} أبلغ في تحريف الكلام، لأن لفظ {بعد} يقتضي أن مواضع الكلم مستقرة وأنه أبطل العمل بها مع بقائها قائمة في كتاب التوراة."
والإشارة التي في قوله {إن أوتيتم هذا} إلى الكلم المحرف. والإيتاء هنا: الإفادة كقوله {وآتاه الله الملك والحكمة} ، والأخذ: القبول، أي إن أجبتم بمثل ما تهوون فاقبلوه وإن لم تجابوه فاحذروا قبوله. وإنما قالوا: فاحذروا، لأنه يفتح عليهم الطعن في أحكامهم التي مضوا عليها وفي حكامهم الحاكمين بها." [1] "
سادسًا: {وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [2] .
قال ابن كثير: وَقَوْله"وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْم وَالْعُدْوَان وَأَكْلِهِمْ السُّحْت"أَيْ يُبَادِرُونَ إِلَى ذَلِكَ مِنْ تَعَاطِي الْمَآثِم وَالْمَحَارِم وَالِاعْتِدَاء عَلَى النَّاس وَأَكْلهمْ أَمْوَالهمْ بِالْبَاطِلِ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ أَيْ لَبِئْسَ الْعَمَل كَانَ عَمَلُهُمْ وَبِئْسَ الِاعْتِدَاء اِعْتِدَاؤُهُمْ" [3] ."
سابعًا: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [4] .
قال ابن كثير:"يُخْبِر تَعَالَى عَنْ الْيَهُود عَلَيْهِمْ لَعَائِن اللَّه الْمُتَتَابِعَة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة بِأَنَّهُمْ وَصَفُوهُ تَعَالَى عَنْ قَوْلهمْ عُلُوًّا كَبِيرًا بِأَنَّهُ بَخِيل كَمَا وَصَفُوهُ بِأَنَّهُ فَقِير وَهُمْ أَغْنِيَاء وَعَبَّرُوا عَنْ الْبُخْل بِأَنْ قَالُوا {يَد اللَّه مَغْلُولَة} ونقل عَنْ اِبْن عَبَّاس قَوْله {وَقَالَتْ الْيَهُود يَد اللَّه مَغْلُولَة} قَالَ: لا يَعْنُونَ بِذَلِكَ أَنَّ يَد اللَّه مُوثَقَة وَلَكِنْ يَقُولُونَ بَخِيل يَعْنِي أَمْسَكَ مَا عِنْده بُخْلا، تَعَالَى اللَّه عَنْ قَوْلهمْ عُلُوًّا كَبِيرًا وَقَدْ رَدَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِمْ مَا قَالُوهُ وَقَابَلَهُمْ فِيمَا"
(1) عاشور، مرجع سابق، 6/ 195
(2) سورة المائدة آية:62
(3) ابن كثير، مرجع سابق، 2/ 74
(4) سورة المائدة آية:64