فأما اليهود فكتبهم طافحة بذكر العذاب في الدنيا والآخرة، كما في قوله تعالى {وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة} . وأما النصارى فلم أر في الأناجيل ذكرا لعذاب الآخرة إلا أنهم قائلون في عقائدهم بأن بني آدم كلهم استحقوا العذاب الأخروي بخطيئة أبيهم آدم، فجاء عيسى بن مريم مخلصا وشافعا وعرض نفسه للصلب ليكفر عن البشر خطيئتهم الموروثة، وهذا يلزمهم الاعتراف بأن العذاب كان مكتوبا على الجميع لولا كفارة عيسى فحصل الرد عليهم باعتقادهم به بله اعتقادنا.
ثم أخذت النتيجة من البرهان بقوله {بل أنتم بشر ممن خلق} أي ينالكم ما ينال سائر البشر، وفي هذا تعريض أيضا بأن المسيح بشر، لأنه ناله ما ينال البشر من الأعراض والخوف، وزعموا أنه ناله الصلب والقتل.
وجملة قوله {يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} كالاحتراس، لأنه لما رتب على نوال العذاب إياهم أنهم بشر دفع توهم النصارى أن البشرية مقتضية استحقاق العذاب بوراثة تبعة خطيئة آدم فقال: {يغفر لمن يشاء} أي من البشر {ويعذب من يشاء} [1] .
خامسًا: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [2] .
وموضع الشاهد من الآية الكريمة قوله تعالى {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ} ، قال ابن كثير:"نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَات الْكَرِيمَات فِي الْمُسَارِعِينَ فِي الْكُفْر الْخَارِجِينَ عَنْ طَاعَة اللَّه وَرَسُوله الْمُقَدِّمِينَ آرَاءَهُمْ وَأَهْوَاءَهُمْ عَلَى شَرَائِع اللَّه عَزَّ وَجَلَّ"مِنْ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبهمْ"أَيْ أَظْهَرُوا الْإِيمَان بِأَلْسِنَتِهِمْ وَقُلُوبُهُمْ خَرَاب خَاوِيَة مِنْهُ وَهَؤُلَاءِ هُمْ الْمُنَافِقُونَ"مِنْ الَّذِينَ هَادُوا"أَعْدَاء الْإِسْلَام وَأَهْله وَهَؤُلَاءِ كُلّهمْ {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ} ، {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ} قال: أي يتأولونه على غير تأويله، ويبدلونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون" [3] .
(1) عاشور، مرجع سابق، 6/ 157
(2) سورة المائدة آية:41
(3) ابن كثير، مرجع سابق، 2/ 58