الصفحة 50 من 83

ثلاثة أقانيم جمع أقنوم بضم الهمزة وسكون القاف وهو كلمة رومية معناها: الأصل، كما في القاموس؛ وهذه الثلاثة هي أقنوم الذات، وأقنوم العلم وأقنوم الحياة، وانقسموا في بيان اتحاد هذه الأقانيم بذات عيسى إلى ثلاثة مذاهب: مذهب الملكانية وهم الجاثلقية الكاثوليك، ومذهب النسطورية، ومذهب اليعقوبية. ولقرب أصحابها الحبشة من بلاد العرب تصدى القرآن لبيان ردها هنا وفي الآية الآتية في هذه السورة.

وبين الله لرسوله الحجة عليهم بقوله {قل فمن يملك من الله شيئا} الآية، فالفاء عاطفة للاستفهام الإنكاري على قولهم: إن الله هو المسيح، للدلالة على أن الإنكار ترتب على هذا القول الشنيع، فهي للتعقيب الذكري.

والتذييل بقوله {ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء} فيه تعظيم شأن الله تعالى. ورد آخر عليهم بأن الله هو الذي خلق السماوات والأرض وملك ما فيها من قبل أن يظهر المسيح، فالله هو الإله حقا، وأنه يخلق ما يشاء، فهو الذي خلق المسيح خلقا غير معتاد، فكان موجب ضلال من نسب له الألوهية. وكذلك قوله {والله على كل شيء قدير} [1] .

رابعًا: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} [2] .

قال الطاهر:"مقال آخر مشترك بينهم وبين اليهود يدل على غباوتهم في الكفر إذ يقولون ما لا يليق بعظمة الله تعالى، ثم هو مناقض لمقالاتهم الأخرى. عطف على المقال المختص بالنصارى، وهو جملة {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح} .وعطف {وأحباؤه} على {أبناء الله} أنهم قصدوا أنهم أبناء محبوبون إذ قد يكون الابن مغضوبا عليه."

وقد علم الله رسوله أن يبطل قولهم بنقضين: أولهما من الشريعة، وهو قوله {قل فلم يعذبكم بذنوبكم} يعني أنهم قائلون بأن نصيبا من العذاب ينالهم بذنوبهم، فلو كانوا أبناء الله وأحباءه لما عذبهم بذنوبهم، وشأن المحب أن لا يعذب حبيبه وشأن الأب أن لا يعذب أبناءه.

وليس المقصود من هذا أن يرد عليهم بوقوع العذاب عليهم في نفس الأمر، من تقدير العذاب لهم في الآخرة على كفرهم، لأن ذلك لا يعترفون به فلا يصلح للرد به، إذ يصير الرد مصادرة، بل المقصود الرد عليهم بحصول عذاب يعتقدون حصوله في عقائد دينهم، سواء كان عذاب الآخرة أم عذاب الدنيا.

(1) عاشور، محمد الطاهر. تفسير التحرير والتنوير. تونس: الدار التونسية للنشر، الدار الجماهيرية للنشر،6/ 151

(2) سورة المائدة آية:18

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت