أَعْدَلُ مِنْ اللَّه فِي حُكْمه لِمَنْ عَقَلَ عَنْ اللَّه شَرْعه وَآمَنَ بِهِ وَأَيْقَنَ وَعَلِمَ أَنَّ اللَّه أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ وَأَرْحَمُ بِخَلْقِهِ مِنْ الْوَالِدَة بِوَلَدِهَا فَإِنَّهُ تَعَالَى هُوَ الْعَالِم بِكُلِّ شَيْء الْقَادِر عَلَى كُلّ شَيْء الْعَادِل فِي كُلّ شَيْء" [1] ."
ثالثًا: قوله تعالى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [2]
قال الطاهر:"استئناف ابتدائي جاء فارقا بين ما أحدثه أهل الجاهلية من نقائض الحنيفية وبين ما نوه الله به مما كانوا عليه من شعائر الحج، فإنه لما بين أنه جعل الكعبة قياما للناس وجعل الهدي والقلائد قياما لهم، بين هنا أن أمورا ما جعلها الله ولكن جعلها أهل الضلالة ليميز الخبيث من الطيب، فيكون كالبيان لآية {قل لا يستوي الخبيث والطيب} ."
فإن البحيرة وما عطف عليها هنا تشبه الهدي في أنها تحرر منافعها وذواتها حية لأصنامهم كما تهدى الهدايا للكعبة مذكاة، فكانوا في الجاهلية يزعمون أن الله شرع لهم ذلك ويخلطون ذلك بالهدايا، ولذلك قال الله تعالى: {قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا} ، وقال في هذه الآية {ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب} فالتصدي للتفرقة بين الهدى وبين البحيرة والسائبة ونحوهما، كالتصدي لبيان عدم التفرقة بين الطواف وبين السعي للصفا والمروة في قوله: {إن الصفا والمروة من شعائر الله} ، وقد قدمنا ما رواه مجاهد عن ابن عباس: أن ناسا سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن البحيرة والسائبة ونحوهما فنزلت هذه الآية.
والجعل هنا بمعنى الأمر والتشريع، لأن أصل {جعل} إذا تعدى إلى مفعول واحد أن يكون بمعنى الخلق والتكوين، ثم يستعار إلى التقدير والكتب كما في قولهم: فرض عليه جعالة، وهو هنا كذلك فيؤول إلى معنى التقدير والأمر بخلاف ما وقع في قوله ... {جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس} .
فالمقصود هنا نفي تشريع هذه الأجناس من الحقائق فإنها موجودة في الواقع. فنفي جعلها متعين لأن يكون المراد منه نفي الأمر والتشريع، وهو كناية عن عدم الرضا به والغضب على من جعله، كما يقول الرجل لمن فعل شيئا: ما أمرتك بهذا. فليس المراد إباحته والتخيير في فعله وتركه كما يستفاد من المقام، وأدخلت {من} الزائدة بعد النفي للتنصيص على أن النفي نفي الجنس لا نفي أفراد معينة، فقد ساوى أن يقال: لا بحيرة ولا سائبة مع قضاء حق المقام من بيان أن هذا ليس من جعل الله وأنه لا يرضى به فهو حرام.
(1) ابن كثير، مرجع سابق، 2/ 67
(2) سورة المائدة آية:103