فهرس الكتاب
"حديث ابن ماجه الدال على حقيقة المصالح"
روى ابن ماجة عن خباب في قوله تعالى (وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ) إلى قوله (فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) قال جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري فوجدا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع صهيب وبلال وعمار وخباب قاعدا في ناس من الضعفاء من المؤمنين فلما رأوهم حول النبي صلى الله عليه وسلم حقروهم فأتوه فخلوا به وقالوا إنا نريد أن تجعل لنا منك مجلسًا تعرف لنا به العرب فضلنا فإن وفود العرب تأتيك فنستحيي أن ترانا العرب مع هذه الأعبد فإذا نحن جئناك فأقمهم عنك فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت قال (نعم) قالوا فاكتب لنا عليك كتابا قال (فدعا بصحيفة ودعا عليًا ليكتب) ونحن قعود في ناحية فنزل جبرائيل صلى الله عليه وسلم فقال (وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) ، فانظر رحمك الله إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم هم أن يطرد من عنده من الأعبد لمصلحة الدعوة عاتبه الله تعالى وفند تلك المصلحة، فالرسول صلى الله عليه وسلم رأى أن مصلحة جلوس الشرفاء معه وإسلام غيرهم من الكفار في مجلسه أعظم من مصلحة جلوس الأعبد عنده إذ لو آمن الشرفاء لآمن أهل مكة، فكان حفظ دين الأعبد الأربعة أعظم عند الله من إسلام سادة الكفار فعاتب الرسول صلى الله عليه وسلم على ذلك وبين له ما هي المصالح الحقيقية التي ينبغي المسير إليها والعمل بها.
وكذلك عاتب الله سبحانه وتعالى رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم في سورة عبس بقوله (عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى .. ) فعاتب الله رسوله صلى الله عليه وسلم لأنه انصرف عن ذلك الأعمى ابن أم مكتوم وتوجه إلى دعوة من حضره من كفار قريش، فالحفاظ على إسلام وإيمان ذلك الأعمى أعظم عند الله من إسلام أشراف قريش.
فلينظر أولئك الذين لا هم لهم إلا حفظ دنياهم وحفظ الأمن الذي يعيشونه كيف أن إيمان رجل أعمى أولى عند الله من إسلام شرفاء الكفار، وهم الذين قالوا بمصلحة عدم إثارة الكفار على المسلمين حتى لا يتضرر بضع عشرات من المسلمين وربما يفقدون وظائفهم، وحتى لا تتشوه صورة المسلمين عند الكفار، فنقول من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر فموعدهم النار إن ماتوا على الكفر، والمصلحة العظمى ألا يفتن المسلمون عن دينهم وذلك بتحكيم القوانين الوضعية عليهم، وبإدخال الكفار في أراضيهم وموالاتهم، وبحصارهم حتى يرضخوا لحكم الطاغوت، فالمصلحة التي ينبغي أن ينظر إليها هي مصلحة حفظ دين المسلمين الذي جُعل وللأسف آخر ما ينظر إليه أصحاب القول بالمفسدة والمصلحة نسأل الله الهداية.
وتقديم مصلحة العمل بالنص على المصلحة الظاهرة للعقل هو فهم الصحابة رضي الله عنهم أجمعين كما روى الإمام مسلم عن رافع بن خديج رضي الله عنه قوله: كنا نحاقل الأرض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنكريها بالثلث والربع والطعام المسمى فجاءنا ذات يوم رجل من عمومتي فقال نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر كان لنا نافعا وطواعية الله ورسوله أنفع، فترك الصحابة لما يرونه نفعًا أكيدًا لهم والذهاب إلى اتباع النص الذي عطل وألغى تلك المنافع الظاهرة، يوضح بجلاء أن اتباع النص وطواعية الله وسوله صلى الله عليه وسلم أنفع حتى لو جر ضررًا في الظاهر أو ألغى منافع مؤقتة.
واعلم أنه حيثما وجد النص وجدت المصلحة فإن المصلحة ملازمة للنص قطعًا، فإذا نظرت إلى نص ولم تجد مصلحة ملازمة معه ظاهرة لك فاتهم عقلك، فربما تكون المصلحة غير ظاهرة ولكن يعلمها الله، ولكن من المؤكد لدينا أن العمل بالنص هو المصلحة العظمى، ولذلك لما كان داعي عدم فهم مصلحة القتال متوافرًا لأفهام المكلفين أكد الله عليه وجلاه في آيه الأمر بالقتال فقال سبحانه وتعالى (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) ، فلا يتبادر إلى ذهن المكلف من القتال إلا أنه فناء للأنفس والأموال، ولكن الحكمة يعلمها الله وأهمها أن الأبدان تفنى ويبقى الدين، تفنى بعض الأبدان وتبقى أكثرها التي ستعيش في ظل الإسلام العزيز الممتنع.