فهرس الكتاب
فأجاب: أما من يمدحهم فإنه فاسق، عاص مرتكب لكبيرة، يجب عليه التوبة منها والندم عليها، هذا إذا كان مدحه لذات الكفار من غير ملاحظة صفة الكفر التي فيهم، فإن مدحهم من حيث صفة الكفر فهو كافر، كأنه مدح الكفر الذي ذمته جميع الشرائع، وقد حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من مدح المسلم بما لا يعلم المرء فقال صلى الله عليه وسلم، وقد سمع قومًا يمدحون شخصًا فقال (لقد قطعتهم عنق الرجل) أي أهلكتموه، أما مدح العدل بما فيه تزكية له عند حاكم أو تعريفًا بشأنه فهو جائز بل قد يجب، ومدح المسلم الفاسق معصية لحديث (إذا مدح الظالم غضب الله عز وجل) فإذا كان ذلك في الظلم الأصغر فما بالك بالظلم الأكبر، وفي حديث أخرجه أبو يعلى والبيهقي عن أن وابن عدي عن بريدة (إذا مدح الفاسق غضب الرب واهتز لذلك العرش) حاصله أن مدح الكفار لكفرهم ارتداد عن الإسلام، ومدحهم مجردًا عن هذا القصد كبيرة يعزر مرتكبها بما يكون زاجرًا له وأما من يقول أنهم أهل عدل، فإن أراد أن الأمور الكفرية التي منها أحكامهم القانونية عدل فقد كفر، والله سبحانه تعالى قد ذمها، وشنع عليها، وسماها عتوًا وعنادًا وطغيانًا وإفكًا وإثمًا مبينًا، وخسرانًا مبينًا وبهتانًا، والعدل إنما هو شريعة الله التي حواها كتابه، وسنة نبيه، إن الله يأمر بالعدل، فلو كانت أحكام النصارى عدلًا لكانت مأمورًا بها، ولزم على ذلك التناقض والتدافع في الرد على النصارى قال تعالى (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) فالله عز وجل حكمه هو العدل الحسن لا غيره فأنى يكون لحكم النصارى لأن كل عدل فهو حسن فقط وبطلت دعوى المذكورين، وقال تعالى (يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ) فهؤلاء سموا ما أمرهم الله تعالى بالكفر به عدلًا، فقد غالبوا في ضلالهم، ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالًا بعيدًا.
وإن أراد العدل المجازي الذي هو عمارة الدنيا، بترك الظلم الذي يخرب الدنيا فلا يلزم مه الكفر، لكنه يزجر عن ذلك الزجر البليغ، وأما ما يروى عنه صلى الله عليه وسلم (ولدت في دولة العادل أنو شروان) فقد أراد صلى الله عليه وسلم العدل المجازي، لا سيما والملك المذكور كان في زمن الفترة كما هو معلوم، على أن الحديث المذكور لا أصل له كما ذكره ابن حجر في النعمة الكبرى، قال: وإطلاق العادل عليه بفرض وروده لتعريفه بالاسم الذي كان يدعى به، لا للشهادة له بذلك، فإنه كان يحكم بغير حكم الله.
قال السخاوي الحديث المذكور موضوع ولو صح لم يكن في وصفه بالعدل بأس فإنه كان لا يجور على رعيته ولا يظلمهم في حقوق الدنيا، فعدله بالنسبة لذلك لا ينافي كفره وظلمه لنفسه بجهله، والله أعلم، انتهى". أهـ كلامه رحمه الله.
فليحذر المسلمون في الغرب من ذهاب دينهم وذلك بمدح عدل الكفار الذين قالوا أن حملتهم الصليبية ضد الإسلام تسمى (العدل المطلق) (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا) ، فلا عدل مطلق إلا لله وحده، أما شياطين الإنس من الصليبيين وأذنابهم فليس عندهم إلا الظلم العظيم وليس عندهم إلا الجور والمكر الكبار قاتلهم الله.
والغريب أن المفتين في الأحداث شجبوا واستنكروا العمليات وذلك للتخفيف عن إخواننا في الغرب، حتى لا تتضرر دنياهم، ولما والوا الكفار وتضرر دين إخواننا بالموالاة لم يفتوا لدفع هذا الشرع العظيم عن دينهم، وقد رأينا كيف ذهب دعاة المسلمين في الغرب وعدد كبير من المسلمين إلى العزاء وإقامة القداس في (الكتدرائية) (الكنيسة) الأمريكية والبريطانية، وكيف ألقوا كلمات العزاء والأسف، وكيف صرحوا بأنهم والنصارى شيء واحد، وأنهم مواطنون أمريكيون يعيشون مع الأمريكيين الحدث ويشاطرونهم الحزن، وهم معهم مطلقًا في هذه الأحداث
ماذا يعد الفقهاء هذا القول والفعل؟ هل هم مكرهون على ذلك؟ وقد قدمنا بما يكون الإكراه على الكفر، أليس هذا خطر على الدين والعقيدة؟ لماذا تنبهتم لدفع الخطر عن دنياهم؟ ولم تتنبهوا لدفع الخطر عن عقيدتهم؟ سبحان الله إن هذا لشيء عجاب!.