وفي العصر الحجري القديم الأوسط الذي ساد منذ نحو 100 ألف سنة وحتى 35 ألف سنة من وقتنا الحالي، عرفت مصر فيما يبدو ثلاث حضارات تميزها عن بعضها تقنية ونوع الأدوات الحجرية المستعملة فيها. ولاندري إن كان للفوارق الزمنية بينها أو الاختلاف الإقليمي دور في هذا الاختلاف. وقد عثر على مواقع هذه الحضارات في منطقة الواحات وفي جنوب مصر ووسطها. ويبدو أن كثرة المستنقعات في الدلتا في تلك الفترات جعلت منها منطقة غير مناسبة لجماعات الصيادين وجامعي القوت. أما الحضارات فهي: أ- الموستيرية التقليدية، وقد تميزت إلى جانب وجود الأدوات الحجرية الموستيرية بوجود فؤوس حجرية. وفي مراحلها المتأخرة ظهرت أنواع من الأدوات التي سادت في العصر الحجري القديم الأعلى مثل المكاشط الرأسية والمخارز والمناقيش. ب- الموستيرية المنجلية، التي تميزت بارتفاع نسبة المناجل الحجرية فيها. ج- السانقوانية، والتي تكثر فيها المكاشط الجانبية والأدوات ذات الوجهين والشظايا المسننة وإن غابت عنها الخناجر والمحافير السانقوانية.
ومنذ نحو 25 ألف سنة خلت سادت حضارات العصر الحجري القديم الأعلى. وقد تميزت هذه الحضارات في مصر بارتفاع نسبة المناقيش والمناجل. وقد توزعت مواقع شعوب هذه الحضارات في جنوب مصر ووسطها معتمدين على الصيد البري وصيد الأسماك أحيانًا وعلى الجمع. ويبدو أن فترات جفاف قد سادت خلال النصف الثاني من هذه الحقبة قادت الإنسان والحيوان إلى العيش حول النيل بعد أن جفت الواحات والأودية في الصحاري. وقد وجدت في مواقعهم أدوات حجرية شملت شظايا وشفرات قزمية (لايزيد طول الواحدة عن 3سم) . ولا يعرف ما إذا كان حجم المادة الخام (حصى المرو الصغير) أم الحاجة إلى أدوات صغيرة الحجم، هو الذي حكم تلك الظاهرة. وفي نهاية هذه المرحلة كثّف الإنسان مواقعه على ضفاف النيل وأظهر تباينًا واضحًا في طرق تكيّفه.