قَالَ اللهُ -تَعَالَى-: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَٰهُ أَن نَّقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] . فَلَوْ كَانَ قَوْلُهُ: ﴿كُن﴾ مَخْلُوقًا لَتَعَلَّقَ بِقَوْلٍ آخَرَ إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ. وَقَالَ: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] فَفَصَلَ بَيْنَ الخَلْقِ وَالأَمْرِ، وَالأَمْرُ هُوَ الكَلَامُ عَلَى الحَقِيقَةِ، فَلَوْ كَانَ كُلُّ أَمْرٍ خَلْقًا لَكَانَ فِي الكَلَامِ تَكْرِيرٌ، وَكَانَ تَقْدِيرُهُ: أَلَا لَهُ الخَلْقُ وَالخَلْقُ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ. وَقَالَ: ﴿الرَّحْمَنُ ١ عَلَّمَ الْقُرْءَانَ ٢ خَلَقَ الْإِنسَانَ﴾ [الرحمن: ١-٣] فَخَصَّ القُرْآنَ بِذِكْرِ التَّعْلِيمِ، وَالإِنْسَانَ بِالْخَلْقِ، فَدَلَّ عَلَى الفَرْقِ. وَقَدِ اسْتَعَاذَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَلِمَةِ اللهِ كَمَا اسْتَعَاذَ بِوَجْهِ اللهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَعِيذَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَخْلُوقٍ⁽١⁾، وَقَدْ
--------------------
في كلام رب البرية وكشف أباطيل المبتدعة الردية "- حول ما عنون به المصنّف رَحِمَهُ اللَّهُ هذا الباب قال فيه: "... بخصوص ما تضمنته الورقة المرفقة من كتاب "الأربعين في أصول الدين" للمؤذن، فإن ما ذكره فيها مستدلا به لمنع القول بخلق القرآن، هو استدلال صحيح، وكنت قد تناولت ذلك في كتاب "العقيدة السلفية في كلام رب البرية" (ص ١١٩ وما بعدها) في سياق هذه الأدلة وسواها، ولكني لا أقر بعض ما ذكره في العنوان الذي وضعه، وهو قوله: ".. ولا محدث ولا حادث" ولو اكتفى بالقول: "الدليل على أن القرآن كلام الله غير مخلوق" دون زيادة لكان أصوب، وإن كان ما قصده هو نفي الخلق، لكن لا يخفاكم أن عبارة "غير مخلوق" محققة لهذه الغاية، وما بعدها بالمعنى المذكور تكرار، وله جانب سلبي، وهو أن نفي الحدوث يستغرق نفي الخلق ونفي الجدة، فأما نفي الخلق فحق وقد أغنى عنه "غير مخلوق"، واما نفي الجدة فباطل، ذلك أن الله تعالى قال: ﴿مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ وقال: ﴿وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ وهذا في الموضعين هو القرآن، فالقرآن محدث بمعنى متجدد النزول كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِۦ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا ٣٢وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ كذلك فإن نفي الحدوث قد يعني القول بالقدم المطلق، وهو غلط وقعت فيه طائفة من المنتسبين للسنة، فالقدم المطلق أن الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى متكلم، لكن كلامه متعلق بمشيئته وقدرته، فالصفة قائمة به أزلا، ونوع الكلام متجدد.
هذا ما تيسر بيانه بعجالة..".
(١) قال ابن عبدالبر في "التمهيد" (٢٤ / ١٨٦) : "وَفِي الِاسْتِعَاذَةِ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ أَبْيَنُ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ مِنْهُ تَبَارَكَ اسْمُهُ وَصِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ لِأَنَّهُ مُحَالٌ أَنْ يُسْتَعَاذَ بِمَخْلُوقٍ وَعَلَى