فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 160

الباب الرابع الدليل على أن القرآن كلام الله غير مخلوق ولا محدث ولا حادث⁽١⁾

(١) مذهب السلف الماضين وأئمة الهدى المرضيين أن كلام الله تعالى غير مخلوق ولو اقتصر المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ على قوله (غير مخلوق) لكفى ووافق الصواب وهو المنقول عن أئمة السلف. قال ابن قتيبة في "الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية" (ص ٣٩) : "المحدث ليس هو في موضع بمعنى مخلوق، فإن أنكروا ذلك فليقولوا في قول الله: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] أنه يخلق، وكذلك قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ [طه: ١١٣] أي: يحدث لهم القرآن ذكراً. والمعنى يجدد عندهم ما لم يكن. وكذلك قوله: ﴿مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢] أي ذكر حَدَث عندهم لم يكن قبل ذلك". وقال شيخ الإسلام - كما في "مجموع الفتاوى" - (١٢ / ١٧٣) : "قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ وَأَئِمَّتِهِمْ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إِذَا شَاءَ وَأَنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِصَوْتٍ كَمَا جَاءَتْ بِهِ الْآثَارُ وَالْقُرْآنُ وَغَيْرُهُ مِنَ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ كَلَامُ اللَّهِ تَكَلَّمَ اللَّهُ بِهِ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ لَيْسَ بِبَائِنٍ عَنْهُ مَخْلُوقًا. وَلَا يَقُولُونَ إِنَّهُ صَارَ مُتَكَلِّمًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مُتَكَلِّمًا وَلَا أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ حَيْثُ هُوَ هُوَ حَادِثٌ؛ بَلْ مَا زَالَ مُتَكَلِّمًا إِذَا شَاءَ وَإِنْ كَانَ كَلَّمَ مُوسَى وَنَادَاهُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ فَكَلَامُهُ لَا يَنْفَدُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف:١٠٩] . وَيَقُولُونَ: مَا جَاءَتْ بِهِ النُّصُوصُ النَّبَوِيَّةُ الصَّحِيحَةُ وَدَلَّتْ عَلَيْهِ الْعُقُولُ الزَّكِيَّةُ الصَّرِيحَةُ فَلَا يَنْفُونَ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى صِفَاتِ الْكَمَالِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. فَيَجْعَلُونَهُ كَالْجَمَادَاتِ الَّتِي لَا تَتَكَلَّمُ وَلَا تَسْمَعُ وَلَا تُبْصِرُ. فَلَا تُكَلِّمُ عَابِدِيهَا وَلَا تَهْدِيهِمْ سَبِيلًا وَلَا تَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا تَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا". وقال (١٢ / ٥٢٢) : "الْمُحْدَثُ فِي الْآيَةِ لَيْسَ هُوَ الْمَخْلُوقَ الَّذِي يَقُولُهُ الجهمِيُّ، وَلَكِنَّهُ الَّذِي أُنْزِلَ جَدِيدًا، فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ يُنَزِّلُ الْقُرْآنَ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، فَالْمُنَزَّلُ أَوَّلًا هُوَ قَدِيمٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُنَزَّلِ آخِرًا، وَكُلُّ مَا تَقَدَّمَ عَلَى غَيْرِهِ فَهُوَ قَدِيمٌ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ". وهذا جواب محرَّرٌ لشيخنا الشيخ المحقق عبدالله بن يوسف الجديع - وفقه الله وسدَّده- عن سؤال بعثته إليه بتاريخ (١١/ ٦ / ٢٠١٨) -وهو الخبير الحاذق وله في مسألة كلام الله تعالى مصنّفٌ فائق لم يُنْسَجْ على مِنوالِهِ، ولم يُكتب على نَسَقِهِ ومثالِهِ الموسوم بـ"العقيدة السلفية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت