الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، سبحانك اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، وبعد:
فإن النحو العربي قد مر بعدة محاولات للإصلاح من منهجه، بغية تيسيره واستيعابه من قبل الناشئة والدارسين، وهذه المحاولات لم تكن قريبة العهد بنا، بل منذ أمد بعيد، وكان أبرزها وأشهرها قديما محاولة ابن مضاء القرطبي الأندلسي في كتابه"الرد على النحاة"؛ حيث سدّد سهامه إلى نظرية العامل التي تعد الأساس الذي قام عليه البناء النحوي وما تصوره النحاة لعواملهم من تأثيرات تصنع ـ من وجهة نظرهم ـ الظواهر النحوية من رفع ونصب وجر، ثم ما تؤدي إليه من تقديرات وعلل وأقيسة ملأت النحو العربي بمسائل لا يحتاج إليها في تقويم اللسان، بل تقف حائلا بين المتكلم واكتساب ملكة لغوية سليمة.
أما المحاولات الحديثة فمتعددة، وقد بدأت مع رفاعة الطهطاوي في كتابه"التحفة المكتبية لتقريب اللغة العربية"ثم توالت بعد ذلك، فكانت جهود حفني ناصف وزملائه في كتاب"قواعد اللغة العربية"، ثم جهود علي الجارم ومصطفى أمين في كتاب"النحو الواضح"، ثم كانت محاولة إبراهيم مصطفى في كتاب"إحياء النحو"، وهي محاولة جريئة نحو"تجديد النحو وتيسيره"؛ حيث تميزت بالدعوة إلى إلغاء نظرية العامل، ولم يكن قد اطلع على كتاب ابن مضاء؛ فلم يكن مطبوعا آنذاك؛ ومن ثم فهي محاولة جديدة من وجهة نظر صاحبها، ثم جاءت محاولة الدكتور/شوقي ضيف وهي محاولة بارزة وجريئة نحو"تجديد النحو العربي وتيسيره" (1) .
(1) جدير بالذكر أن د/ضيف له اهتمامات نحوية واسعة، نتج عنها خمس دراسات مهمة كلها ذات فكر راقٍ جمع فيها ما بين الدراسة التاريخية والدراسة النقدية التي تحمل إبداعا وابتكارا، وهي:
ـ تحقيق كتاب الرد على النحاة لابن مضاء القرطبي 1947
ـ المدارس النحوية 1968
ـ تجديد النحو 1982
ـ تيسير النحو التعليمي قديما وحديثا مع نهج تجديده 1986
ـ تيسيرات لغوية 1990
وبالنظر إلى الكتب الخمسة نجد أن كتاب"المدارس النحوية"يمثل الجانب التاريخي الموسوعي الذي اهتم به في دراساته الأدبية، أما الكتب الباقية فهي تمثل منهجا خاصا به في تجديد النحو العربي وتيسيره؛ إذ حرص على أن يقدم صياغة جديدة للنحو تيسر فهمه وتعليمه، إيمانا منه بأن فهم اللغة قراءة وكتابة هو الخطوة الأولى لدراسة الأدب وتحقيق وجود الإنسان العربي. انظر: د.طه وادي: شوقي ضيف سيرة عالم ومسيرة إنسان ص 25 من كتاب"شوقي ضيف سيرة وتحية"