اما الترادف التام الذي يشترط فيه الاتفاق التام في المعنى على اختلاف الالفاظ الدالة عليه، هو - وان وجد في اللغة- فلا يضاهي نسبة وجود الترادف الجزئي، ولكي يحقق الترادف التام وظيفته على نحو دقيق يجب اشتراك الكثرة الغالبة من افراد البيئة الواحدة في فهمه ذهنيًا، وتداوله لفظًا، ومن اهم ما يقدمه الترادف هو (انه في استطاعتنا ان نستغله في الدلالة على ألوان المعنى وظلاله المختلفة) [1] .
ودلالة الترادف التام مركزية بحسب هذا الاتفاق الواقع لغويًا ومن العوامل المهمة المسببة للترادف التام هو العامل اللهجي: من وضع لهجتين كما قال ابن جني: (قد يجوز ان تكون لغته في الاصل احداهما، ثم انه استفاد الاخرى من قبيلة اخرى .. فلحقت بلغته الاولى) [2] .
وهذا النقل من الفاظ اللهجات يحصل بطريق الاحتكاك بشتى اشكاله. وقد يشيع لفظان في لهجتين لمعنى واحد وباستمرار استعماله يعرف اللفظان بذلك المعنى، وهذ ما ذهب اليه السيوطي: (بأن تضع احدى القبيلتين احد الاسمين، والاخرى الاسم الآخر للمسمى الواحد من غير ان تشعر احداهما بالاخرى، ثم يشتهر الوضعان) [3] . وهذا ما ذهب اليه الاصوليون ايضًا. وقد ايد هذا الرأي كثير من المحدثين، وذهبوا الى انه نتيجة لتعدد القبائل تتعدد اللهجات واكثر اللهجات على تقارب ما بينها متميزة مختلفة في النطق لذلك تتوحد المعاني وتختلف الالفاظ وعن طريق التبادل اللغوي تشيع الالفاظ لذلك المعنى [4] .
وقد يكون الترادف من وضع القبيلة الواحدة على سبيل التوسع في الكلام لاسباب مختلفة كالحاجة في الاستعمال، والضرورة الشعرية. وهذا ماذهب اليه ابن جني: (اذا كانت اللفظتان في الكلام متساويتين في الاستعمال كثرتهما واحدة، فهو ان قبيلة تواضعت في ذلك المعنى على ذينك اللفظين، لأن العرب قد تفعل ذلك للحاجة اليه في اوزان اشعارها وسعة تصرف احوالها) [5] . ومن امثلته: فمنها (شسع مال) و (جذل مال) . قال ابن السكيت [6] : (يقال شسع مال: وهو القليل وجدل مال: مثله) . ومنها ايضًا: (الضفف) و (الحفف) و (القشف) و (الوبد) قال ابن السكيت [7] : (أصابنا من العيش ضفف وحفف وقشف ووبد: كل هذا من شدة العيش) .
ومن أمثلته ما ذكره الهمذاني (32هـ) : (قولهم البعيد: النازح، والشاسع، والنائي، والقاصي، والعازب، والغارب، والشاطر، والشاطن) [8] .
كذلك ما أورده الإسكافي (421 هـ) : (يقال للجعبة: الوفضة والجعبة والكنانة واحدة وهي: التي فيها السهام) [9] .
كذلك (الترسي) : (يقال له الجنة والمجن والمجنب والجوب والطراد وكل ذلك واحد) [10] .
ومن أمثلة ذلك أيضا قول الثعالبي (428هـ) : (يقال للجماعة من النحل: التول، والدبر، الخثرم، والرصع) [11] .
و (يقال لشدة المحل إذا أنت على الزرع والضرع فهي: قاشورة ولاحسة وحالقة وحراق) [12] .
ويحدث الإبدال بين الأصوات ترادفًا تامًا يتفق فيه المعنى بين المفردتين تمام الاتفاق من ذلك ما أورده البطليوسي (521هـ) فمنها: (حظلت النخلة وحضلت: اذا فسدت أصول سعفها) [13] .
(1) دور الكلمة في اللغة: 101 - 103.
(2) الخصائص: 1/ 372.
(3) المزهر في علوم اللغة: 1/ 241، 1/ 405.
(4) ينظر: اللغة والنحو، د. عباس حسن: 35. الترادف، د. علي الجارم: 1/ 323.
(5) ينظر: الخصائص: 1/ 372.
(6) تهذيب الالفاظ: 32.
(7) المصدر نفسه: 25.
(8) الالفاظ الكتابية، الهمذاني: 23.
(9) مباديء اللغة، الاسكافي: 103.
(10) مباديء اللغة، الاسكافي: 103.
(11) فقه اللغة، الثعالبي: 342.
(12) فقه اللغة، الثعالبي: 53.
(13) الفرق بين الحروف الخمسة، البطليوسي: 186، تحقيق د. علي زوين.