ومن المهم أن نذكر أن النقاد يؤمنون بمبدأ نقدي أساسي هو (( أن اللغة والعقل والواقع تشترك في طبيعة واحدة وهي بذلك تستطيع أن تشترك في مهمة إبراز الأشياء المدركة ) ) [1] وتلك هي بالضبط (( الدلالة المركزية ) )، وما تتكون منه لتأدية غرضها.
فالعلاقة بين هذه العناصر متداخلة يكمل أحدها للآخر، إذ لا يمكن للواقع أن يبرز المعنى إلا من خلال الوعي أي (العقل) ، وأن الوعي لا يستطيع إيجاد المعنى إلا في الواقع، واللغة هي الجامع والرابط بينهما محققة الغرض من وجود لغة التفاهم. وبذلك تعد هذه الدلالة في القسم الأول من تقسيماتهم للدلالة والمعنى والأساس الذي تبنى عليه أنواع المعاني الأخرى الأكثر خصوصية اذ تمثل هذه الدلالة عند المحدثين المعنى في معاجمات اللغة (( وما هو إلا النواة التي تتجمع حولها طائفة من المعاني الثانوية ) ) [2] .
وهذه الدلالات، وأقسامها مستمدة مما تركه النقاد العرب القدامى في مؤلفاتهم وإن لم يعينوها بهذه المصطلحات. ومعنى ذلك أن النقاد قدامى ومحدثين ظل نقدهم منصبًا على المعنى، والبحث عن معنى هذه الدلالات.
وعلى اختلاف أسلوب طرح الفكرة برزت الدلالة المركزية لدى النقاد العرب على نحو دقيق وواضح من خلال مختلف قضايا المعنى التي عالجها النقاد.
وقد وضح الجاحظ (255هـ) الدلالة المركزية في المعنى من خلال وظيفة التداول اللغوي التي تعد جزءًا من عملية الفهم العام. قال: (( والمعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي والبدوي والقروي والمدني ) ) [3] .
وينبئ الجاحظ في مقولته تلك عن نقدٍ تحسسي عملي للنشاط الفكري المنعكس في التعبير.
وترد إشارة إلى الدلالة المركزية في نص آخر للجاحظ ذاكرًا فيه خصائص هذه الدلالة وهي (1) ثبوت المعاني العامة في الأذهان، (2) أهمية الاستعمال
(1) اللغة في الأدب الحديث: 31.
(2) قواعد النقد الأدبي: 40.
(3) الحيوان: 3/ 131.