الصفحة 154 من 384

وكل النصوص التي وردت تشير إلى الدلالة المركزية و (( المعاني العامة على ما يقابلها من (( صياغة المعنى ) )، أو الصفات التي تناسب ألفاظ هذه المعاني، فالمعنى في كل هذه النصوص يمثل ورح الألفاظ أي جوهر التعبير اللغوي (وأن جوهر الأشياء لا ينفصل عن تحققها المادي - ولذلك نجد أن هناك رابطة بين المدرك الحسي والأفكار ) ) [1] .

وبذلك يعطي تعليق المعاني بألفاظ اللغة وظيفتها (لأن أسبقية المعاني أمر نسبي إذ هي قبل أن تتشكل وتلبس لبوس العلامة(موجودة بمعنى معدومة) ومن هذه المنزلة بين المنزليتين الكون الصريح والعدم الصريح وجدت الألفاظ سبيلًا إلى المعاني وتعلقت بها على هيأة ما وتحددت وظيفتها أي -اللغة- باستكشاف عالم المعاني وإحيائه- )) [2] .

ومن النصوص التي فسرت تفسيرًا يسيرًا على أنها تفضيل، أو انحياز إلى جانب اللفظ على المعنى نص الجاحظ (255هـ) الذي ذكر فيه الشأن الذي يجب أن يكون عليه اللفظ مع المعنى العام (( والمعاني مطروحة ... وإنما الشأن في إقامة الوزن، وتخيير اللفظ، وسهولة المخرج، وكثرة الماء وفي صحة الطبع، وفي جودة المسك ) ) [3] .

والجاحظ أراد من ذلك موازنة اللفظ مع معناه العام لا تفضيله عليه فالمعاني في هذه الدلالة ما دامت ثابتة ذهنيًا معروفة استعمالًا عند الجميع من العامة والخاصة، فكما ذكرنا لا يحدث فيها التفاضل وإنما التفاضل والتفاوت في اللفظ المعبر عنها والمشترط فيه إقامة وزن لسلامته اللغوية، واختيار اللفظ المناسب عن باقي الألفاظ، ويذكر فيه سهولة نطقه للسلامة الصوتية، وحيوية الاستعمال، وصحة ملائمته للطباع المعروفة عند الناس في الكلام. وهذا الشرط بالذات يعد أول الشروط ملائمة للمعنى العام (الدلالة المركزية) وباقي الشروط تأتي بعده لإمكان توافرها في باقي أنواع ألفاظ المعاني. وما ذلك كله إلا استيعابٌ من الجاحظ لأهمية الدور الذي

(1) نظرية المعنى، مصطفى ناصف: 86 - 87.

(2) التفكر البلاغي عند العرب: 170.

(3) الحيوان: 3/ 131.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت