تؤديه الألفاظ لما تمتلكه من طاقة تعبيرية في حال توافر هذه المتطلبات في اللفظ والمعنى وتوظيفها جديًا مما يجعلها قادرة على الإفهام الجيد، وعكس المعنى على نحو صحيح ومقبول وهذا ما نص عليه الجاحظ في قوله: (( ومتى كان اللفظ أيضًا كريمًا في نفسه متخيرًا من جنسه، وكان سليمًا من الفضول، بريئًا من التعقيد، حبب إلى النفوس، واتصل بالأذهان، والتحم بالعقول، وهشت إليه الإسماع، وارتاحت له القلوب ) ) [1] وبهذا تناسبت (( الدلالة المركزية ) )لفظًا ومعنى، وتحقق الغرض منها.
ومن الجدير بالذكر أن ما ذكره الجاحظ في النص الأول السابق (تخير اللفظ) يوضح أن الأساس الذي يعتمد عليه في أسلوبه هو (الاختيار) [2] ، أي اختيار اللفظ والمعنى بحسب ما ذكره من مواصفات طابقت أساليب العرب الفصيحة سعيًا في وضوح الدلالة، وبلاغة البيان إذ (( لا يكون الكلام يستحق اسم البلاغة حتى يسابق معناه لفظه، ولفظه معناه، فلا يكون لفظه إلى سمعك أسبق من معناه إلى قلبك ... . ) ) [3] .
أما أبن قتيبة (276هـ) فكان أساس تقسيمه لمقاييس الجودة والرداءة في ضروب الشعر معتمدًا على هذين الطرفين (( اللفظ والمعنى ) )وقد تمثل ذلك لديه في الضرب الأول وهو ما سماه (( ضرب حسن لفظه وجاد معناه ) )، قاصدًا بمعنى (( حسن، وجاد ) )التناسب بين المعنى وصياغته في تأدية الدلالة المركزية وكما بينته فيما سبق.
وحين أشار العلوي إلى استنباط الدلالة عن طريق الاستماع إلى العرب في مذاكرتهم وحدثيهم، فالاستماع يكون إلى ألفاظ الكلام المسموعة، التي عبَّرت به عن (( سنن ومذاهب استعملوها ) )أي معان حملتها تلك الألفاظ (( فإذا وقفت على ما أرادوه لطف موقع ما تسمعه من ذلك عند فهمك ) ) [4] واعتمد في ذلك على الفاظ مستعملة ومتداولة بينهم ودلت على الثابت في أذهانهم. فتلائمت بذلك ألفاظهم ومعانيهم لأن الألفاظ من وضعهم والمعاني من بيئتهم.
(1) البيان والتبين: 2/ 8.
(2) ينظر: مفهوم المعنى عند الجاحظ، د. ماهر مهدي هلال: 241.
(3) البيان والتبين: 1/ 115.
(4) عيار الشعر: 16.