الصفحة 156 من 384

وقد تابع قدامة بن جعفر، وأبو هلال العسكري الجاحظ فيما قاله عن المعاني المركزية وما حدد به اللفظ المناسب لهذه المعاني وإن كانت أكثر هذه التحديدات متقاربة عند باقي النقاد وعيًا منهما بدقة الجاحظ وعلميته.

فقد شبه الأول الألفاظ (بالصورة) أي الشكل الذي ترتسمه المعاني ممثلًا ذلك بالألفاظ الشعرية، وذلك يقرب ما ذكره النقاد بحق المعاني بأنها روح، والألفاظ الجسد الذي تعيش فيه الروح. وعن طريق حيويته ينعكس معنى الروح، أي المعاني الموضوعة في الألفاظ. وقد لخص قدامة ما ذكره الجاحظ من شروط في ألفاظ المعاني العامة بـ (( النهاية المطلوبة من التجويد ) ) [1] بمعنى استيعاب الألفاظ للمعاني على نحو دقيق ضمن الهيئة المعروضة فيها محققة الصورة المتكاملة. وقد مثل لذلك في ما ذكره بـ (( إئتلاف اللفظ مع المعنى ) )يقول زهير:

ومهما يكن عند أمرئ من خليقة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم [2]

ولتطابق اللفظ والمعنى من حيث الصوت والمفردات وعموم المعنى وعدم تجاوز المعاني الأصلية، كذلك المعنى الكلي للبيت معنى عام لذلك أصبح كالقول المشهور.

وقد وافق العسكري على نحو تام الجاحظ وقدامة فيما أورده بشأن اللفظ والمعنى في الدلالة المركزية. وتابعهم فيما بعد حازم القرطاجني إلا أنه زاد على الجاحظ في أن التفاضل لا يكون إلا (( بحسن التأليف اللفظي ) ) [3] ضمن حدود هذا المعنى وطبيعته الوضعية. كما سيظهر ما يخص اللفظ ضمن ما ستذكره من مظاهر للمعنى المركزي في الاستعمالات اللغوية الأخرى له.

وحكم النقاد بمركزية اللفظ والمعنى متناول السياق، إذ لا تفهم الكلمات بوساطة تحديد معنى ما تشير إليه لاحتمال تعدد مدلولاتها، بل بتحديد مواضعها في النظام والنسق الذي تظهر فيه كونها جزءًا منها فضلًا عن أن القاعدة التي وضعها النقاد لهذه الدلالة هي قاعدة موضوعية منطقية ترمي إلى المعنى الأصلي فرديًا وإجماليًا. ولذلك على الناقد (أن يتبين هوية كل عنصر من عناصر المعنى في المجموع الكلي المركب ) ) [4] .

(1) نقد الشعر، 4 - 5.

(2) الخليقة: الطبيعة والمعنى أن من كتم خليقته على الناس وظن أنها تخفى عليهم فلابد أن تظهر.

(3) منهاج البلغاء: 192.

(4) مناهج النقد الأدبي/ ديفيد ديتشس/ت/ محمد يوسف نجم/ 240.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت