ومن هذا الباب كانت أكثر مآخذ النقاد على الشعراء، وبذلك يحكم على استعمال الشاعر بالخطأ. وعلى هذا عيب قول الشاعر:
بل لو رأتني أخت جيراننا ... إذ أنا في الدار كأني حمار
فقد حول الشاعر دلالة لفظة (( الحمار ) )على تشبيه الرجل بالبلادة بحسب مفهوم الأقدمين إلى الدلالة على الصحة، وهذا خرج على العلاقة المجازية التي كانت معروفة [1] .
ومن الجدير بالذكر أن الدلالة المركزية بحسب دلالتها العرفية المتداولة بها أصبحت ضمن ما هو معهود من العرب القدامى. كما في المثال السابق إذ ارتبطت بعرف الاستعمال المجازي بمفردة الحمار بمعنى (( البلادة ) )وصار كلما يشبه بها يتبادر إلى الذهن هذا المعنى، كذلك التشبيه بالوردة يقصد به (( حسنها ) )أو (( احمرار لونها ) )حال وصف الخدود.
وبهذا يلحظ أن فكرة التجديد في المعاني بنظر المتمسكين بما عهد عن لعرب من معان مستندة إلى المعاني الأولى في الاستعمال ومقلدة في مفاهيمها للذوق والفكر العربي، وكل ذلك إيثار للمأثور الفكري العربي [2] .
ومما سبق نستخلص أن العرب شعراء ونقادا قد اخضعوا لغتهم الشعرية لمقتضى الذوق العربي العام المستمد مما هو حسي في بيئتهم تكرار الممارسة والتعود، أي أنهم وجدوا هذه الجمالية في الدلالة الموضوعة أصلا في الصورة والمعنى الأول وتمرسوا فيه في مختلف الأغراض الشعرية التي تسمح باستعمال الدلالة المركزية فيها وطبيعة ذوقهم هو ميل طبيعي في الإنسان من الناحية النفسية إذ (( إنه لا يتصور محبة إلا بعد معرفة وإدراك، إذ لا يحب الإنسان إلا ما يعرفه ... .. ، وما يوافق طبع المدرك ويلائمه ويلذه ) ) [3]
وقد انطبع ذلك الذوق العربي الحامل لهذه الدلالة في التقاليد والأغراض الاجتماعية الثابتة التي مثلها المستوى الأول من الشعر وهو الأدب الاجتماعي
(1) ينظر: الكامل: 3/ 132.
(2) ينظر: نظرية المعنى: 101.
(3) احياء علوم الدين، الغزالي:4/ 254