الصفحة 210 من 384

قادرة على عكس قوة المشاعر المتضمنة في الاستعارة وتشكيل صورة ومعنى واضحين حسًا وإدراكًا معنويًا زيادة على النقل المعنوي الحاصل للفظ كما تبين. وكل ذلك سيكسب الاستعارة بلاغتها على نحو تام.

وخير ما مثل به العسكري لبلاغه الاستعارة قوله تعالى: {فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددًا} [1] فبلاغة الاستعارة تعود إلى أن انقطاع الصوت عنهم وحالة الهدوء الناجمة عنها هي الحال المطلوبة لكل من يريد النوم -وهذا المعروف عن حال قصة أهل الكهف- فأظهر القران الكريم تلك الحالة باستعارة الضرب لها وتعني (أسددنا آذانهم فانقطع عنهم الصوت) ، فألقى الله تعالى عليهم النوم حين دخلوا الكهف بعد سد اذانهم وانقطاع الصوت عنهم [2] . فأظهرت هذه الاستعارة تلك الحالة للعيان.

كذلك قوله تعالى: {ويبغونها عوجًا} [3] فبلاغة الآية الكريمة تعود إلى أن (( الاعوجاج مشاهد والخطأ غير مشاهد ) ) [4] . وكذلك قوله تعالى: {أو آوى إلى ركن شديد} [5] (فالركن يشاهد، والمعين لا يشاهد من حيث إنه معين) [6] .

فالدلالة الثانوية في الآيتين الكريمتين أفادت المبالغة لتأكيد المعنى، وإثباته نفسيًا لقوتها ففي الآية الأولى جاء الضرب في معناه الأصلي وهو معروف أكثر ما يرى في حالات العقاب وقد يؤذي كثيرًا، أو قليلًا لكنه قد ورد في الآية الكريمة لا بمعنى العقاب ولكن الضرب الذي قطع الصوت عن آذانهم مطلقًا. فغلقت عن السمع، وكل ذلك ساعد في إثبات معنى النوم في الآية الكريمة لقوة دلالة الإضافة على المعنى.

أما في الآية الثانية فقد استعير الركن وهو الزاوية من الحائط فالإيواء إليه بمعنى الاعتماد على قوة شديدة ساندة وناصرة وكل ذلك عكس الدلالة الثانوية

(1) سورة الكهف:11.

(2) ينظر تفسير القرآن العظيم، لأبن كثير ج3: 121.

(3) سورة الاعراف:45.

(4) الصناعتين: 281.

(5) سورة هود:80.

(6) الصناعتين: 274.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت