الصفحة 212 من 384

فمن هذه الاستعارات قول أوس بن مغراء يهجو بني عامر بن صعصعة:

يشيب على لؤم الفعال كبيرها ... ويغذى بثدي اللؤم فيها وليدها [1]

فإن قوله، بثدي اللؤم، استعارة بالكناية بالغة الجودة. شبه فيها اللؤم بالأم الوالدة التي ترضع، ثم حذف المشبه به، كما هو الحال في نظائرها، ودل عليه ببعض أجزائه، وهو الثدي، إشارة بذلك إلى اشتماله الصغار والكبار بهذا اللؤم. وكلمة (ثدي اللؤم) تعبير فعال يدل على تركز الحالة فيهم لانهم يسقون اللؤم منه ولأن الثدي جزء من الجسد.

كذلك البيت المشهور لأي ذؤيب الهذلي [2] :

وإذا المنية أنثبت أظفارها ... ألقيت كل تميمة لا تنفع

فقد نسبه المنية بالسبع الذي كنى عنه وذكر شيئًا من توابعه وهي الأظفار التي بها يكتمل فعل القتل.

ومثاله في الاستعارة التخيلية قوله تعالى: {فأذاقها الله لباس الجوع والخوف} [3] .

فالمتبصر في هذه الآية الكريمة يرى فيها أهمية التخيل والتفكر واضحة إذ لا يصل إلى أهمية معناها بالتحليل السطحي فقد استعمل الذوق مع ما يحس وهما (الجوع والخوف) لأنه أبلغ في الواقع وقربه إلى الذهن. وإن كان الشعور بتلك الحالتين معروف أيضًا، ولكن دون الرهبة والإحساس بالغضب، أو الابتلاء. كذلك استعارة لفظ اللباس والعطف في هذه البليتين يدل على المبالغة والاشتمال في أخذهم بهذا الابتلاء وتجعل تصور ذلك بهيأة اللباس وما يفعله من تغطية وستر واسترسال تأكيدًا وبيانًا لحالة بلائهم [4] .

وبذلك كان لقوة الخيال التركيبية دورها في الكشف عن ذاتها في خلق التوازن، أو التوفيق بين الإحساس بالجدة والرؤية المباشرة المتمثل بتغير الإحساس المعهود

(1) البديع: أبن المعتز: /1 (ط3/ دار المسيرة/ت: كراتشكوفسكي) .

(2) ديوان الهذليين: ج1/ 3

(3) سورة النحل: 112.

(4) ينظر: فنون بلاغية، احمد مطلوب: 137.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت