بالجوع والخوف وتغير حاسة الشعور بهما وتجسيدهما بلفظة (اللباس) ، والموضوعات القديمة المألوفة، التي خلقت أثرًا موحدًا من التعدد وعدلت سلسلة من الأفكار في إطار وانفعال واحد -بمعنى من ثنائية حالة الجوع والخوف إلى حالة التوحد في كونهما لباسًا اشتمل على ذلك كله- طور تصور الحالة وزادها بعدًا [1] .
ومن هذه الاستعارات المكنية البليغة القول الماثور - (( هما توأمان ينتجهما علو الهمة ) ) [2] اي الحلم والأناة. إذ لم يتبين وجه الشبه ولا موطنه ولا الأداة. فقوله (علو الهمة) استعارة مكنية حيث استعارها (للحلم والأناة) وهي صفة تنسب للإنسان لا لصفاته. ورمز له بالنتاج أي الولادة، فيكون (التوأمان) ترشيحًا للاستعارة. (فعلو الهمة) دلالة ثانوية زيادة على ما تتميز به صفتا (الحلم والأناة) [3] .
وعرفت الاستعارة أول مرة في البلاغة العربية عند الجاحظ واسحق بن وهب (272هـ) وابن المعتز (296هـ) وجاء تعريفهم [4] مطلقًا غير محدد بطبيعة الاستعارة ولا مميزًا لها من سائر انتقالات المعنى إلا أن مفهومها قد تحدد وتوضح على نحو أدق عند نقاد القرن الرابع على أنها علاقة لغوية تقوم على انتقال في الدلالات، أو تعليق للعبارات على غير ما وضعت له في أصل اللغة على جهة النقل وتلك هي الدلالة الثانوية تمامًا، وما ذلك إلا لتحصيل فائدة دلالية تنفع مبالغة وتأكيدًا زيادة
(2) البديع، ابن المعتز: 615.
(3) ينظر: المجاز في اللغة وفي القرآن الكريم؛ عبد العظيم المطعيني: 170 - 171.
(4) كان الجاحظ من أوائل الذين عرفوا بالاستعارة، فقد عرفها بقوله: (( هي تسمية الشيء باسم غيره إذا قام مقامه ) )حين علق على بيت الراجز:
وطغت سحابة تغشاها ... تبكى على عراصها عيناها
بقوله: (( فقد جعل المطر بكاء من السحاب على طريق الاستعارة ) ). البيان والتبيين: 1/ 153.
وبين أبن وهب (272هـ) شيئًا من مفهومها حين شرح احتياج العرب إليها في كلامهم فقال: (( فهم يعبرون عن المعنى الواحد بعبارات كثيرة ربما كانت مفردة له، وربما كانت مشتركة بينه وبين غيره ) )البرهان في وجوه البيان: 142 فاختلاف التعبير عن المعنى هنا يحصل بنقل اللفظة عن معناها فيتغير نتيجة لذلك المعنى معها لفائدة. لم يزد أبن المعتز (296هـ) شيئًا في تعريفها عما سبقه الجاحظ وابن وهب به إذ قال: (( هي استعارة الكلمة لشيء لم يعرف بها من شيء عرف بها ) ). البديع: 414 حسب طبعة الحفاجي وقد مثل لها بقوله تعالى: {واخفض لهما جناح الذل من الرحمة} الإسراء: 13، والمشهور فيه استعارة مكنية. تفسير الكشاف: ج2/ 445.