الأخرى، كالمجال النفسي والشعري والاتجاه نحو الخصوصية في الفن، والتي يمكن الكلمات فيها أن (( تسلك سلوكًا مستقلًا، لتخلف واقعًا خاصًا بها من نكران الخواص المادية المألوفة للأشياء والتي ينجم عنها صور تقاوم التحليل الواعي وتشير بمراوغة إلى المضمون الكامن ) ) [1] .
ويقصد بـ (التحليل الواعي) التفسير التقليدي الذي يضعه النقاد لتلك الصور التي تجسد أفكار الأديب ومشاعره من خلال إرجاعها إلى ما اعتادوه، وتحيزوا له من معان متعارف عليها ومألوفة لديهم ومحسوسة في واقعهم، تبقى قريبة من المعاني أو الدلالات الأصلية، إذ يقول العسكري: (( إن على الشاعر أن يستعمل من المجاز ما يقارب الحقيقة ولا يبعد عنها ومن الاستعارات ما يليق بالمعاني التي يأتي بها ) ) [2] . فإلحاح النقاد على الجانب الحسي، وما يقرب منه في المعاني والصور حتى في المجاز ومنه الاستعارة يمنع الدلالات الثانوية المستعارة من أن تنطلق فيما ينبغي لها أن تكون فيه من حرية في توصيل الحدس والتأمل الشعري بما فيه من تأثير جمالي عبرت عنه اللغة على قدر استطاعتها في الاقتراب من ذلك الإحساس الفني لبقائها محافظة على فردية تجربة الشاعر وبداهتها أو الأدب الحدسية، وتجعل الذهن يتلبث في الوقت نفسه بالحقائق من خلال الإضافة إلى المعنى المركزي المستند اليه في الاستعارة. وذلك هو المضمون الكامن) الذي تشير إليه المعاني الثانوية، أو الصور. وهو ما يجحده النقاد في نظرتهم التي صدرت عن الاستعارة في اللغة الشعرية وينفي عمق تفاعلها في إدخال عدة عناصر متنوعة ومتنافرة ومتباعدة تخرجها فنيًا، إعادة تنظيم دلالات الألفاظ فالاستعارة ليست فكرة معزولة عن باقي السياق [3] .
ولقد لخص د. مصطفى ناصف موقف الناقد المحدث من الاستعارة بقوله: (( إن التعبير الاستعاري عند الناقد المحدث يقوم على درجة من درجات التقمص الوجداني تمتد فيه مشاعر الشاعر إلى كائنات الحياة من حوله، فيلتحم بها ويعاملها
(1) النقد الأدبي الحديث، جاكوب كورك: 234.
(2) عيار الشعر، ابن طباطبا: 119.
(3) ينظر: نقد الشعر، قاسم مومني: 358، ومبادئ النقد الأدبي، ريتشاردز: 310، ونظرية المعنى: 97.