الصفحة 217 من 384

كما لو كانت هي ذاته، ويلغي الثنائية التقليدية بين الذات، وبين الموضوع، ومن ثم فالاستعارة الأصلية لا تعتد كثيرًا بالتمايز والوضوح المنطقيين، ولا تعتمد كثيرًا على حدود لتشابه الضيقة بقدر ما تعتمد على تفاعل الدلالات الذي هو -بدوره- انعكاس، وتجسيد لتفاعل الذات الشاعرة مع موضوعها إنها تمثل التلسكوب الذي نستطيع بواسطته أن نرى نجومًا لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة )) [1] ، إلا أن اتجاه النقاد ظل سائدًا بالتزام العرف المجازي المألوف وإخضاع المستجدات إلى التقاليد اللغوية وهذا ما ظهر في رفضهم لاستعارات الشعراء التي ترتقي فيها الدلالة الثانوية إلى سعة في التصورات وتقريب بعيد، أو متنافر رآه عقل الشاعر مناسبًا في استعارته للمعنى الأصلي، أو قبولها لمسوغ يتناسب مع مبدأهم ذلك.

فالناقد قدامة بن جعفر قبل الاستعارة بعدما وجد لها مسوغًا وهو (( إذ كان مخرجها مخرج التشبيه ) ) [2] . كما في استعارة أمرئ القيس:

فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف اعجازًا وناء بكلكل

وهو يضع المسوغ على انه عذر لما يجده من خلل في مبدأ التناسب العقلي الذي يفرضه النقاد في الاستعارة، فيأخذ قدامة على محمل التشبيه ويقول (( أما أمرؤ القيس فكأنه أراد أن هذا الليل في تطاوله كالذي يتمطى بصلبه لا أن له صلبًا وهذا مخرج لفظه إذا تؤمل ) ) [3] .

ويفترض الحال نفسه في بيت طفيل:

وجعلت كوري فوق ناجية ... يقتات شحم سنامها الرحل

فيعقب قدامة على هذين البيتين وباقي أبيات الاستعارة بقوله: (( فما جرى هذا المجرى مما له مجاز كان أخف وأسهل مما فحش ولم يعرف له مجاز وكان منافرًا للعادة بعيدًا عما يستعمل الناس مثله ) ) [4] . وتحويل قدامة للاستعارة إلى هذا التصور هو إنكار لطبيعة الاستعارة وقيمتها والذي ينقل الاهتمام من إضافة الدلالة الثانوية

(1) نظرية المعنى: 87.

(2) نقد الشعر: 104.

(3) نقد الشعر: وينظر الوساطة، الجرجاني: 432.

(4) نقد الشعر: 105.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت