الصفحة 218 من 384

إلى طرفي التشبه ووجه الشبه. وفي ذلك تهوين من قيمة الاستعارة وإلغاء لانعكساس طبع الشاعر وحالته النفسية في شعره [1] .

وإن هذا التصور من قدامة يهمل أنواع الاستعارة الأخرى كالمكنية والتخبيلية التي تعتمد دقة التخييل لالتقاط الدلالة الثانوية التي تصلح في بث إيحاء أحاسيس الشاعر واستعارتها للمعنى الأصلي لتزيد عليه تلك الفائدة والتي لا تقوم على التشبيه. (( إذ هي خلق وتجسيد لعناصر الطبيعة وللمعاني من عالمها إلى العالم الحي، وهو الذي تسميه البلاغة الغربية(التشخيص ) )) [2] . وهكذا يؤثر قدامة الوضوح والقرب في الاستعارة على تطورها وبناء استعارة على استعارة التي تزيد المعنى بعدًا وتعمقه غورًا، يسميه قدامة غموضًا.

أما الآمدي فقد انعكس موقفه من قبول الاستعارة في ما حدده فيها [3] مسبقًا، وأكد فيه قرب الاستعارة وإنكار ما ابتعد منها، كما في كثير من استعاراته، أو يسوغها ليس لكونها بعدية فحسب، بل لأن أبا تمام متأخر -وإن كان لهذه الاستعارات بعض الأصول عند القدامى- إذ يقول: (( إذا اعتمدت العرب الشيء ضرورة لم يكن ذاك لمتأخر ) ) [4] ، وما يصدر عن العرب على سبيل الندرة لا يمكن أن يسوغه متأخر )) [5] ، أو يجعله أصلًا يحتذى عليه، أو يكثر منه )) [6] . ويحد أيضًا اختيار المتأخر في مجاز اللغة كذلك، فعلى المتأخر أن لا يحتذي إلا (( الجيد المختار لسعة مجاله وكثرة أمثلته ) ) [7] وذلك الجيد المختار الذي على المتأخر اتباعه هو ما فيه التزام (( بعمود الشعر والذوق ) )اللذين يعدان المرجع الأساس للقدامى في صحة المعاني ومقياسًا لما ابتعد، أو خرج عنها من معاني القدامى، أو المحدثين على الأكثر.

(1) ينظر: تاريخ النقد الأدبي، د. إحسان عباس: 207.

(2) الفن ومذاهبه في الشعر العربي، شوقي ضيف: 236.

(3) الموازنة:1/ 524.

(4) الموازنة: 1/ 253.

(5) المصدر نفسه:1/ 529.

(6) المصدر نفسه: 1/ 259.

(7) المصدر نفسه: 1/ 417.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت