الصفحة 219 من 384

ومن هذه الاستعارات البعيدة غير المقبولة لدى الآمدي، قول أبي تمام:

ألا لا يمد الدهر كفًا بسيئ ... إلى مجتدي نصر فيقطع من الزند

وقوله:

لو لم تفت مسن المجد مذ زمن ... بالجود والبأس كان الجود قد خرفا

وقوله:

كأنني حين جردت الرجاء له ... عضبًا صببت به ماء على الزمن

فهذه الاستعارات كلها قبيحة في نظر الآمدي، لأن أبا تمام خالف فيها طرائق العرب المعروفة في الاستعارة فيقول فيها: (( مع غثاثة هذه الألفاظ، فقد جعل للدهر يدًا تقطع من الزند، والكرم والجود يخرف مثل الإنسان ويهرم، والزمان كأنه صب عليه ماء ... . وهذه استعارات في غاية القباحة والبعد عن الصواب ) ) [1] . لما فيها من تشخيص يرفضه الآمدي. وإن وجد أمثالها في استعارات المتقدمين، فقد قال ذو الرمة:

تيممن يأفوخ الدجى فصد عنه ... وجوز الفلا صدع السيوف القواطع

فقد استعار للدجى يأفوخًا دون أن تكون الصلة واضحة بينهما.

وقال تأبط شرًا:

نحز رقابهم حتى نزعنا ... وأنف الموت منخره رثيم

فعل للموت أنفًا. وغيرها من هذه الاستعارات فيحتج لهم بقوله: (( في كلامهم قليل جدًا، ليس مما يعتمد، ويجعل أصلًا يحتذى عليه، ويستكثر منه، ... .. ) ) [2] .

وتقيّد الآمدي برغبة النقاد القدامى في قبول الحقائق العقلية وما يقاربها من المجاز مما جعله (( يتدخل في التشخيص والقدرة الخيالية للشاعر ) ) [3] التي بها تأخذ الدلالة الثانوية دورها وبها تحقق تأثيرًا بالغًا. فإبقاء الاستعارة المعتمدة على التشبيه دون تفاعل بجذب أطراف متباعدة تعبر عن حركة الذهن باختلاف صورة الخيالية التي ستتعدد وتفرز إحساسًا جماليًا يعطي معنى حقيقيًا للصورة وهو المعنى الذي

(1) الموازنة: 1/ 245 - 250.

(2) الموازنة: 1/ 256 - 259.

(3) تاريخ النقد الأدبي، د. إحسان عباس: 168.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت