ويلتقي أبو الطيب بأبي تمام في طريقة استعماله للاستعارة، فقد خرجت عنده أحيانًا عن حدها الذي ألفه القدماء. ولهذا فالمتنبي لدى الحاتمي -كأبي تمام- لدى الآمدي، فمما آخذ الحاتمي المتنبي عليه من استعارات قوله:
شرف ينطح النجوم بقرنيه ... وعز يقلقل الأجيال
فاستعارة المتنبي لفظه (قرنيه) للإشارة إلى علو الشرف لفظة غير مستحبة عند الحاتمي وليست مما يقرب من معنى الشرف في شيء فعلق عليها قائلًا: (( استعارة خبيثة لأنة جعل للشرف قرنين، وهذه الاستعارة جارية مجرى المعاظلة، والمعاظلة المذمومة أخس الاستعارة ) ) [1] . وقد أنكر هذا التداخل في هذه الاستعارة لأنه لم يرد ضمن الحدود الثابتة في معايير القدامى.
والمتنبي أراد باستعارته بيان شرف الممدوح فجسده بالقرون المعروفة بعلوها ولاسيما أن قال قد ناطحت النجوم وهي موقعها السماء فكم بلغ علو شرف ذلك الرجل من القيمة والمرتبة فجاءت هذه الاستعارة لتوكيد المعنى المعنوي وتوضيحه وذلك ما اعترض عليه الحاتمي في بيت المتنبي.
ومن أمثلة ذلك أيضًا قول المتنبي:-
أليس عجيبًا أن وصفك محسن ... وأن ظنوني في معاليك تظلع
فاستعار الظلع للظنون، وهي استعارة قبيحة مستهجنة قلقة حلت في غير موضعها، ووقعت في غير موقعها [2] .إذ ليس الظن إلا تصور ولا يصبحُ في رأي الحاتمي- استعارة الظلع له.
كذلك في قول المتنبي:
تجمعت في فؤاده همم ... ملء فؤاد الزمان إحداها
فقد استعار المتنبي (الفؤاد للزمان) ، والفؤاد معروف بمعناه العام الأصلي (القلب) إلا أن (قلب الزمان) يحمل معنى أقوى وأدل على السعة وقوة التحمل لأنه
(1) الرسالة الموضحة: 91. والمعاظلة: مداخلة الشيء للشيء، ... . ومن المحال أن تنكر مداخلة بعض الكلام في ما يشبهه من وجه أو في ما كان من جنسه وبقي النكير إنما هو أن يدخل بعضه في ما ليس من جنسه وما هو غير لائق به، وما أعرف ذلك إلا فاحش الاستعارة. نقد الشعر: 74. وهي أحد عيوب اللفظ.
(2) الرسالة الموضحة: 73.