المحدثين. قال الجرجاني: (( وقد كانت الشعراء تجري على نهج قريب من الاقتصاد حتى استرسل أبو تمام ومال إلى الرخصة، فأخرجه إلى التعدي، وتبعه أكثر المحدثين ) ) [1] . ومن المحدثين الذين عالج الجرجاني استعاراته أبو الطيب المتنبي في كتابه (الوساطة) . فقد ذكر بعض المواضع التي أخذت على أبي الطيب من الخروج بالاستعارة عن حد الاعتدال والقبول، فمن ذلك قوله:
مسرة في قلوب الطيب مفرقها ... وحسرة في قلوب البيض واليلب [2]
وقوله:
لم يحك نائلك السحاب وإنما ... حمَّت به فصبيبها الرحضاء
فقد استعار في البيت الأول بأن جعل للطيب والبيض واللب قلوبًا، كما أنه قد استعار للسحاب حمى وهذه استعارات لم تجر على شبه قرب أو بعيد )) [3] .
وهذا كلام نقاد أبي تمام وقد آخذوه لأنهم أيضًا حملوها على التشبيه لا على نقل المعنى في الاستعارة وإضافة دلالة جديدة للمعنى الأصلي يفيد انعكاسًا لرؤية الشاعر وإحساسه هو لا كما يتوقع.
وعلى الرغم من نظرة الجرجاني للاستعارة تعد أحكامه موضوعية وقد حللها بمتسع فكري أكبر من سابقيه بما وضحه من حاجة المحدث إلى معان تلائم عصره والأفكار الجديدة فيها، وذلك بالتجديد عن طرق البديع والاستعارة التي لم تتحدد في المحدثين فقط وإنما لدى الشعراء القدامى أيضًا، فيذكر أمثلة لذلك منها قول أبن أحمر:
ولهت عليه كل معصفة ... هو جاء ليس للبها زبر
وهذا قول أبن رميلة:
هم ساعد الدهر الذي ينتهى به ... وما خير كف لا تنوء بساعد
وقول الكميت:
(1) المصدر نفسه: 429.
(2) الديوان: 1/ 290، والوساطة: 429. اليلب: الدروع تتخذ من الجلود.
(3) الوساطة: 432.