الصفحة 225 من 384

ولما رأيت الدهر قلب ظهره ... على بطنه فعل المحك بالرمل

فما الفرق بين الذي جعل للرياح لبًا، والذي جعل للدهر ساعدا وأو ظهرًا أو بطنًا كأنه بشر أو كائن حي، وبين استعارات المتنبي التي يشخص فيها مثل هؤلاء )) [1] .

وبهذا حين يتهم المتنبي بالإفراط والمبالغة كان جواب الجرجاني: (( فأما الإفراط فمذهب عام في المحدثين، وموجود كثير في الأوائل، والناس فيه مختلفون، فمستحسن قابل، ومستقبح راد ) ) [2] .

وأوجد الجرجاني تأويلات لاستعارات المتنبي حرصًا منه على حق الشاعر في التجديد وحفاظًا على قابليته الفنية.

وميز قصد الاستعارة بهذه التأويلات، فمنها تأويله لاستعارة المتنبي في قوله:

مسرة في قلوب الطيب مفرقها ... وحسرة في قلوب البيض واليلب

مفسرًا إياها: (( أن مباشرة مفرقها شرف ومجاورته زين، والتحاسد واقع فيه فلو كان للطيب قلب لسر به ) ) [3] . فالمتنبي أراد بيان أن التنافس هو الذي أوجد فرحه في قلب الطيب لوضعها الطيب في مفرق رأسها وهو موضع عظيم من الرأس فيه شرف لما يوضع فيه، واختار استعارة القلب لأنه يشعر بهذه العواطف.

ويؤول أيضًا استعارة آخذ الصاحب بن عباد المتنبي، وهو قوله:

بليت بلى الأطلال إن لم أقف بها ... وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه

إذ قال فيه الصاحب (385هـ) : (( هذا كلام من أرذل ما يقع لصبيان الشعراء ... .، لسقوط اللفظ وتهافت معنى ) ) [4] . وقد قال ذلك على أنه أراد التعبير عن إطالة الوقوف فبالغ في تقصيره، لأن الخاتم ليس دقيقًا حتى يختفي في التراب ولا يظهر بسرعة. ومن البديهي أن المتنبي لم يقصد إظهار الخاتم بسرعة أم أو ببطء، بل كان هدفه أبعد وهو وصف حاله في الوقوف في الأطلال بتعذيب نفسه واتعابها

(1) ينظر الوساطة: 423. وكل هذه الاستعارات مكنية لحذف المشبه به وإثبات أحد لوازمه.

(2) الوساطة: 420.

(3) الوساطة: 429 - 432 وتاريخ النقد الأدبي، د. إحسان عباس: 334.

(4) الكشف عن مساوئ المتنبي، الصاحب بن عباد: 231.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت