الصفحة 226 من 384

وتشدده عليها والمبالغة في ذلك كما يفعل البخيل في شدة تدقيقه وبحثه عما سقط منه حتى لو كان خاتمًا يسهل إيجاده وصولًا من ذلك لإطالة الوقوف وهذا ما أضافه المتنبي باستعارة للمعنى الأصلي من إطالة الوقوف فقط، بل طول الوقوف وتعذيبها بألم الفراق لأنه سيقف في الأطلال وإتعابها بالبكاء على مغادريها من أحبابه. ولهذا تأول الجرجاني لاستعارة المتنبي بقوله:

(( فإذا قال الشاعر -وهو يريد إطالة وقوفه- إني أقف وقوف شحيح ضاع خاتمه لم يرد التسوية بين الوقوفين في القدر والزمان والصورة، وإنما لأقفن وقوفًا زائدًا على القدر المعتاد خارجًا عن حد الاعتدال، كما أن وقوف الشحيح يزيد على ما يعرف من أمثاله، وعلى ما جرت به العادة في أضرابه ) ) [1] .

ومن ذلك كله نصل إلى أن موقف النقاد المتفق على إنكار الاستعارة -بحسب ما يصفونها- لقابليتها على جمع جوانب متباعدة في صورة فنية لطيفة بدأ يضعف على الرغم من هذا الاتفاق بما بدأ يتأول به النقاد ويتعذرون به من تحليل لها لبيان قصد الشاعر الصحيح والمطلوب وهذا ما ثبت الاستعارة بمرور الوقت. وإن كان موقف النقاد القدامى متصلبًا جدًا في حق هذه الفنون وحرية خيال المعبرين من خلالها من الشعراء. وكان بذلك للدلالة الثانوية بعيدًا ترقي هذا الموضع من مجاز معاني الألفاظ. وهذا ما ظهر في إدراك القرطاجني العميق لأهمية حرية خيال الشاعر في التعبير عن تلك المعاني الثانوية من خلال نقل المعاني المشروط بصحة النقل المؤدي إلى فائدة، إذ قال: (( إن الشاعر حر في الانتقال بين الدلالات مثلما هو حر في أن يقرن الشيء بغيره، بشرط أن يؤدي هذا الانتقال وذلك الاقتران إلى فائدة تضيف إلى المحاكاة ) ) [2] . وهذه العناصر الثلاثة (الانتقال والاقتران، والمحاكاة) كونت الجدة والاختلاف عما تقدم من المعاني بانطواء الدلالة الثانوية عليها، والتي ترتبط مع بعضها بطريق (المجاز) أو (التمويه) كما يسميه أرسطو (( الذي لا يدركه السامع لأول وهلة، وعندما تتضح الأقوال للسامع أكثر من ذي قبل، وتأتي النتيجة عكس ما توقع، يشعر أنه تعلم شيئًا، ... . ولهذا السبب كانت الألغاز مقبولة

(1) الوساطة: 471.

(2) منهاج البلغاء وسراج الأدباء، القرطاجني:139

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت