وصفه لدمعها بالجمان منظومًا على النحر وهو وصف يدل على حبٍ يكنه لها بعكس ما تصور الآمدي من إحساس مكنون لها. فذلك هو المعنى الثانوي الذي يستشف من بين المعاني التي يضعها الشاعر في صياغات جديدة ينقل فيها فكرته بمعناها الإيحائي الجديد الذي خرج لغرض نفسي معنوي.
ومثل ذلك المأخذ الذي ذكره الجرجاني على بعض النقاد الذين آخذوا على المتنبي قوله [1] :
كأنك أبصرت الذي بي وخفته ... إذا عشت فاخترت الحمام على الَشكْلِ
إذ قالوا: (( هذا الكلام الذي لا طريق للفهم إليه لتخالف أطرافه، وخفته إذا عشت، فاخترت أن تموت على أن تثكل ) ). على أن قصد الشاعر من قوله هذا يخالف فيه ظنهم عن المعنى، إذ التالف ليس في كونه أن ما يصيب المخاطب من الهم وهو حي من ألم، بل قصد الشاعر إلى ابعد من ذلك المعنى. لذلك فهو ذكر نوعين من الألم إلا أن أحدهما أهون وهو الموت -وإن كان حاسمًا- من العيش بإحساس الفاقد لشخص عزيز فهو يتألم ويعاني ويموت، وهو في كل ذلك حي، لأجل ما أصاب المتحدث عما حل فيه. لذلك أكمل الجرجاني: (( قال المحتج: أنكم ذهبتم عن غرض الرجل ... .، فمذهبه فيه أنك خفته أن يصيبني هذا العارض من الضنى وأنت حي، فيبلغ منك الغم به مبلغ الشكل، فاخترت الحمام عليه ) ) [2] .
وتتبين الدلالة الثانوية أيضًا في بيان (الخطأ والصواب) الذي نظره النقاد في شعر الشعراء ليحكموا على قابليتهم، وأفكارهم في معانيهم. ويقول العسكري في ذلك: (( ولا يكمل لصناعة الكلام إلا من يكمل لإصابة المعنى، وتصحيح اللفظ، والمعرفة بوجوه الاستعمال ) ) [3] . فقد أدى تتبع النقاد لأخطاء الشعراء والتدقيق فيها إلى استجلاء أمور دلالية مهمة في تفصيل جوانب دلالة اللفظة.
فمن المواضع التي ذكر الآمدي فيها دلالة اللفظة عند أبي تمام حين علق على بيته:-
(1) ديوانه: 3/ 43. الحمام: الموت، الثكل: فقد الحبيب العزيز.
(2) الوساطة: 475.
(3) الصناعتين: 75.