من ذلك ما أخذ العلوي (322هـ) عليه الشعراء من التشبيهات البعيدة بحسب ما سماها والتي أرادوا بها معاني غير التي يراها هو التزمًا منه بقاعدة النقاد القدامى كقول خفاف بن ندبة [1] :-
أبقى لها التعداء من عتداتها ... ومتونها كخيوطة الكتان
وتشبيه الشاعر هنا لم يقصد به شكل القوائم والمتون أنها أصبحت خيوطًا رفيقة ولكن ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك في صفة الخيط برقته وضعفه وهذا ما أصابها من شدة التعب بسبب العدو واستمرار جريها. وهو تشبيه أصبح معروفًا ولا يزال في قول عامة الناس معروفًا إذ يقولون (( أصبحت ساقاي خيوطًا من التعب ) )أي لا تحتمل لأكثر مما احتملت لشدة التعب فقد أخذه العلوي على معنى التشبيه شكلًا من حيث وجه الحقيقة وابتعد عن غرض التشبيه المطلوب. كذلك الآمدي حين آخذ أبا تمام على قوله [2] :
بكته بما أبكته أيام صدرها ... خلي، وما يخلو له من جوى صدر
وقالت: أتنسى البدر؟ قلت تجلدًا ... إذا الشمس لم تغرب فلا طلع البدر
فعلق الآمدي على هذه الأبيات بعد أن شرحها بقوله: (( والمذهب فيها غير مستحلى، ولا منتهى، وفيها معنى غامض في الاحتجاج عليها ) ) [3] بكونه مذهب غير معهود من الشعراء وتحليل الآمدي للأبيات وأن كان صحيحًا ظاهريًا.
إلا أن المتمعن بالأبيات لأبي تمام يصل إلى أبعد من ذلك الغرض الذي وصفه الآمدي فالشاعر حين ذكر (( قلت تجلدًا ) )فهو تظاهر باللامبالاة والقسوة من أثر قوله على محبوبته تم كنى بإرادة خلاف الظاهر (( إذا الشمس لم تغرب فلا طلع البدر ) )أي ليس بحاجة إلى تذكر ما يذكره بها. وما استعمل هذا النوع من الأسلوب في كلامه مع محبوبته إلا ليضعف حزنها بغير الطريقة المعروفة من الكلام الهادئ واللطيف لكي يمنع نفسه أيضًا من التراجع عن أمره تأثرًا بحزنها. ويزيد ذلك تأكيدًا
(1) ديوانه: 105 وينظر عيار الشعر، العلوي: 147 - 148 والموشح، المرزباني: 130، والصناعيين، العسكري: 263.
(2) ديوانه: 474.
(3) الموازنة: 29.