ومع أن قدامة بن جعفر قد أشار إليها لم يوضحها كالجاحظ، إذ أشار إليها على العموم، فقال فيها: (( وهو أن يكون اللفظ القليل مشتملًا على معان كثيرة بإيماء إليها، أو لمحة تدل عليها، كما قال بعضهم وقد وصف البلاغة فقال: هي لمحة دالة ) ) [1] .
وقد قال الشاعر في دلالات الإشارة [2] :-
أشارت بطرف العين ضيفة أهلها ... إشارة مذعور ولم تتكلم
فأيقنت أن الطرف قد قال مرحبا ... وأهلا وسهلًا بالحبيب المتيم
فقد وصف الشاعر هنا إشارة الفتاة بطرف عينها بأنها إشارة سريعة لأنها من مذعور، فهي بهذه الحالة هي نفسها دلالة ثانوية متمثلة بتلك الحركة المعبرة عن المخزون الفكري الصامت الذي ترجمه المشاعر وشرحه بما فهم من تلك الحركة التي يعرف بما سببها وقال عنها بأنها أرادت بتلك الإشارة القول أهلا وسهلا بمقدم حبيبها. وأصبحت تلك الإشارة أيضًا معروفة لتكرر استعمالها وشيوع مدلولها بين الناس. والإشارة حركة صامتة فهي أقدر على الحفاظ على إيصال المعنى لمن يراد إيصاله له فقط، فهي محددة في توجيهها للمعنى علاوة على جمالية التعبير فيها. ويماثل العسكري قدامة بن جعفر في تعريفه للإشارة تمامًا [3] .
ويتبين لنا مما تقدم ذكره أن الكناية تعكس الدلالة من خلال تكثيفها وإيجازها معنى من خلال تعدد وظائفها الاجتماعية والنفسية التي فيها.
وقد عالج النقاد العرب الدلالة الثانوية، أو المعاني الثواني في قضايا نقدية جاءت نتيجة لاختلاف أساليب الشعراء في استعمالهم لتلك الفنون تبعًا لاختلاف أفكارهم وقد أشرنا إلى بعضها فيما تقدم.
(1) نقد الشعر: 154 - 155.
(2) البيان والتبين: 1/ 78.
(3) الصناعتين: 358.