و (حسن الكناية) هو العدول عن التصريح باللفظ إلى التعريض به عن طريق الكناية في الموضع الذي لا يحسن التصريح فيه.
قال ابن سنان: (( ومن هذا الجنس حسن الكناية عما يجب أن يكنى عنه في الموضع الذي لا يحسن فيه التصريح وذلك أصل من أصول الفصاحة وشرط من شروط البلاغة. وإنما قلنا في الموضع الذي لا يحسن فيه التصريح لأن مواضع الهزل والمجون وإيراد النوادر يليق بها ذلك ولا تكون الكناية فيها مرضية فإن لكل مقام مقالًا ولكل غرض فنًا وأسلوبًا ) ) [1] .
وتحسن الكناية عن المعاني غير اللطيفة يكنى عنها بكلمات تخفف من وقعها، فمن ذلك (( كنايتهم عن الأبله بـ(عريض القفا) فإن عرض القفا وعظم الرأس إذا فرط فيما يقال دليل الغباوة، لذلك كانوا يكنون عن الذكاء بصفة عكسها وهي صغر الرأس كقول طرفة بن العبد:
أنا الرجل الضرب الذي تعرفونه ... خشاش كرأس الحية المتوقد [2]
ومثل هذه الكنايات يعتمد في معرفة معانيها على العرف الاجتماعي في البيئة اللغوية التي تتداول فيها مثل هذه الكنايات، إذ ليس من المنطقي أن كبر الرأس يرتبط بصفة الغباء فعلًا، لذلك لا يمكن معرفة معاني مثل هذه الكنايات إلا بعد معرفة العرف الاجتماعي لمتداوليها.
ويقال للأبله (عريض الوسادة) وينتقل منها إلى (عرض القفا) ، ثم إلى المقصود وهو البله، وقلة الفهم وصعوبته [3] .
ومن حسن الكناية استعمال الكتاب كلمة (التحيز) بدلًا من (الهزيمة) إتباعًا للقرآن الكريم، قال أبن سنان: (( ... وسبق بعضهم إلى الكناية عن الهزيمة بالتحيز أتباعًا لقوله تعالى: {ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفًا لقتال، أو متحيزًا إلى فئة} [4] ، ثم صارت هذه العبارة سنة للكتاب ) ) [5] .
(1) سر الفصاحة: 155 - 156.
(2) و (3) الإيضاح: للقزويني: 184، وشرح الإيضاح، التفتازاني: 146.
(4) سورة الأنفال: 16.
(5) سر الفصاحة: 157.