الصفحة 356 من 384

واللحن لدى البلاغيين من التورية، أو (الإيهام) [1] -كما يسميها السكاكي والقزويني- وهو: (( ان يكون للفظ استعمالان قريب وبعيد فيذكر لإيهام القريب في الحال إلى أن تظهر أن المراد به البعيد ) ) [2] وهو من الإشارات لدى أبن رشيق [3] .

فمن اللحن ما ذكره أبن رشيق، قول المهلهل لما غدره عبداه وأرادا قتله، فقال: (( أوصيكما أن ترويا عني بيت شعر، قالا: وما هو؟ قال:

من مبلغ الحيين أن مهلهلا ... أمسى قتيلا بالغلاة مجندلا

لله دركما ورد أبيكما ... لا يبرح العبدان حتى يقتلا

فاستقروا العبدين فأقرا أنهما قتلاه )) [4] .

فالمهلهل عز عليه أن يضيع دمه هدرًا دون أن يبلغ عن قتله، لأنه سيد العبدين. فأراد أن يؤخذ ثأره من قاتليه. ومن المعلوم أنه لا يوجد دافع شخصي أقوى من هذا، جعله يضع إشارة لأهله يفهمونها من بيتي الشعر المرسلين إليهم. فأشار إلى قاتليه بأنهما هما الحيين القاتلين له، وإلا فمن أبلغهما بأن مهلهلا مقتولا في الصحراء (الفلاة) . فورى ما أراد من صريح قصده ليتم له ما يريد بعد موته.

وغير هذه الأمثلة كثير في العربية. وجميعها تتضح فيها الدلالة الهامشية في ناحيتين:

الأولى: علاقة هامشية خاصة تمثل الحالة وإن كان المعنى لا يخص الشخص نفسه. وهذا ما يتمثل فيه صدق الانفعال والتأثر بتجارب الآخرين و (( يستلزم إيمانًا بالتجربة في معانيها الإنسانية وهو في هذا يتلاقى مع الصدق الخلقي غير التقليدي ) ) [5] .

والثانية: علاقة هامشية خاصة بذات الشاعر.

لذلك يتجنب في هذه الدلالة المعنى المركزي، و (( تحمل فيها الكلمة التجربة الفردية للكاتب كمعنى لها وهي إذ تفعل هذا تسهم بميزة جديدة لقرينتها ... والكاتب

(1) و (2) مفتاح العلوم: 665، والإيضاح: 201.

(3) العمدة: 307.

(4) العمدة: 308.

(5) النقد الأدبي عند العرب، حفني محمد شرف: 188.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت