دخلنا الجنة أطيب من هذه الريح فيقال: هذه رائحة أفواه الصوام و قد تفوح رائحة الصيام في الدنيا و تستنشق قبل الآخرة و هو نوعان: أحدهما: ما يدرك بالحواس الظاهرة كان عبد الله بن غالب من العباد المجتهدين في الصلاة و الصيام فلما دفن كان يفوح من تراب قبره رائحة المسك فرؤي في المنام فسئل عن تلك الرائحة التي توجد من قبره فقال: تلك رائحة التلاوة و الظمأ
و النوع الثاني: ما تستنشقه الأرواح و القلوب فيوجب ذلك للصائمين المخلصين المودة و المحبة في قلوب المؤمنين و [ حديث الحارث الأشعري عن النبي صلى الله عليه و سلم: أن زكريا عليه السلام قال لبني إسرائيل: آمركم بالصيام فإن مثل ذلك كمثل رجل في عصابة معه صرة فيها مسك فكلهم تعجبه ريحه و أن ريح الصيام أطيب عند الله من ريح المسك[1] ]خرجه الترمذي و غيره لما كان أمر المخلصين بصيامهم لمولاهم سرا بينه و بينهم أظهر الله سرهم لعباده فصار علانية فصار هذا التجلي و الإظهار جزاء لذلك الصون و الإسرار في الحديث: [ ما أسر أحد سريرة إلا ألبسه الله رداءها علانية[2] ]قال يوسف بن إسباط: أوحى الله تعالى إلى نبي من الأنبياء قل لقومك يخفون لي أعمالهم و علي إظهارها لهم
( تذلل أرباب الهوى في الهوى عز ... و فقرهم نحو الحبيب هو الكنز )
( و سترهم فيه السرائر شهرة ... و غير تلاف النفس فيه هو العجز )
و المعنى الثاني: أن من عبد الله و أطاعه و طلب رضاه في الدنيا بعمل فنشأ من
(1) في الجامع الصحيح كتاب الأدب برقم (3863) . ...
(2) أخرجه: الطبراني في الكبير (2/184) ، برقم (1702) . ...