فهرس الكتاب

الصفحة 124 من 145

دون دليل قاطع، ومنه قولهم في القسامة: إذا قتل في محلة ولم يعرف قاتله، وبين المقتول وهذا الحي لوث] (معجم لغة الفقهاء: 1/ 394) .

وصوراللوث عديدة وقد اختلف العلماء في كثير منها، ولكن مدارها على ما ذكرنا، وهو قيام قرينة ينشأ عنها غلبة الظن بصدق المدعي، ولهذا تحتاج إلى التأكيد بالأيمان المكررة من أولياء دم القتيل، مع أنهم لم يشهدوا عين القاتل ولا صفة القتل، وإذا فعلوا ذلك استحقوا دم الرجل الذي عيّنوه.

فالشرع في هذه الصورة، لم يهدر دم القتيل لعدم معرفة عين قاتله، ولم يكلفهم تحصيل الشاهدين العدلين -وهو يعلم عجزهم عنه- لأن ذلك يؤدي إلى شيوع القتل وانتشاره مع بقاء القتلة في مأمن من سيف القصاص، بل شرع طريقًا آخر تحفظ به الدماء وتصان به الأنفس بناء على غلبة الظن الحاصلة من اللوث والأيمان معًا، فإذا كان الاعتماد على القرائن وشواهد الحال مشروعًا في قتل المتهم مع أن ضرره وقع على نفسٍ واحدة، والشرع قد جعل لذلك بديلًا وهو الدية، وقد يكون دافع القتل عداوة دنيوية مجردة، فكيف بالقرائن وشواهد الأحوال التي يحصل بها اليقين غالبًا والتي يؤدي إهدارها وإلغاؤها إلى تسلط الكفرة على المسلمين، واستفحال القتل في خيارهم، مع أن الأمر لا يتعلق بقتل شخص ولا شخصين بل بحرب منظمة مستمرة تستهدف استئصال الساعين لإقامة دين الله تعالى والمجتهدين في أن تكون كلمته هي العليا، وليس بين هؤلاء وبين المتهمين بالتجسس إلا عداوة الدين الخالصة، أليس هؤلاء أولى بأن تهدر دماؤهم ويدفع شرهم اعتمادًا على القرائن والشواهد والملابسات التي تكون في الغالب قطعية يقينية، لا سيما مع التيقن بعدم وجود غيرها مما يمكن أن يؤدي الغرض ويكفي لتحصيل المقصود؟!.

قال الإمام ابن القيم -رحمه الله-: [وقد تقدم استشهاد ابن عقيل باللوث في القسامة وهو من أحسن الاستشهاد؛ فإنه اعتماد على ظاهر الأمارات المغلبة على الظن صدقَ المدعي، فيجوز له أن يحلف بناء على ذلك، ويجوز للحاكم -بل يجب عليه- أن يثبت له حق القصاص أو الدية مع علمه أنه لم ير ولم يشهد، فإذا كان هذا في الدماء المبني أمرها على الحظر والاحتياط فكيف بغيرها] (الطرق الحكمية: 1/ 15) .

وقال أيضًا في ثبوت الحكم بالقسامة عدم معارضة ذلك لحديث: [لويعطى الناس بدعواهم ... ] : [والذي شرع الحكم بالقسامة هو الذي شرع أن لا يعطى أحد بدعواه المجردة، وكلا الأمرين حق من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت