عند الله، لا اختلاف فيه، ولم يعط في القسامة بمجرد الدعوى، وكيف يليق بمن بهرت حكمة شرعه العقول أن لا يعطي المدعي بمجرد دعواه عودًا من أراك ثم يعطيه بدعوى مجردةٍ دمَ أخيه المسلم؟
وإنما أعطاه ذلك بالدليل الظاهر الذي يغلب على الظن صدقه فوق تغليب الشاهدين، وهو اللوث والعداوة والقرينة الظاهرة من وجود العدو مقتولا في بيت عدوه، فقوى الشارع الحكيم هذا السبب باستحلاف خمسين من أولياء القتيل الذين يبعد -أو يستحيل- اتفاقهم كلهم على رمي البريء بدم ليس منه بسبيل ولا يكون فيهم رجل رشيد يراقب الله؟
ولو عرض على جميع العقلاء هذا الحكم والحكم بتحليف العدو الذي وجد القتيل في داره بأنه ما قتله لرأوا أن ما بينهما من العدل كما بين السماء والأرض، ولو سئل كل سليم الحاسة عن قاتل هذا لقال من وجد في داره، والذي يقضي منه العجب أن يرى قتيل يتشحط في دمه وعدوه هارب بسكين ملطخة بالدم ويقال: القول قوله، فيستحلفه بالله ما قتله ويخلي سبيله، ويقدم ذلك على أحسن الأحكام وأعدلها وألصقها بالعقول والفطر، الذي لو اتفقت العقلاء لم يهتدوا لأحسن منه، بل ولا لمثله.] (إعلام الموقعين: 2/ 500) .
وقال أيضًا: [بل الحكم بالقسامة وتقديم أيمان مدعي القتل هو من هذا استنادا إلى القرائن الظاهرة] (زاد المعاد: 3/ 129) .
وقال الإمام القرافي المالكي -رحمه الله- في ذكر بعض الحالات التي اعتمد فيها على القرائن في الحكم: [وأما ما ورد في السنة النبوية فمواضع منها أنه: صلى الله عليه وسلم حكم بموجب اللوث في القسامة، وجوز للمدعين أن يحلفوا خمسين يمينا، ويستحقوا دم القتيل في حديث حويصة ومحيصة، والحديث فيه ذكر العداوة بينهم، وأنه قتل في بلدهم، وليس فيها غير اليهود، أو أنه قد قام من القرائن ما دل على أن اليهود قتلوه، ولكن جهلوا عين القاتل، ومثل هذا لا يبعد إثباته لوثا فلذلك جرى حكم القسامة فيه] (أنوار البروق في أنواع الفروق: 7/ 475) .
الدليل الثالث: عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبى -صلى الله عليه وسلم-: [قاتل أهل خيبر حتى ألجأهم إلى قصرهم فغلب على الأرض، والزرع، والنخل، فصالحوه على أن يجلوا منها ولهم ما حملت ركابهم، ولرسول الله صلى الله عليه وسلم الصفراء والبيضاء، ويخرجون منها، فاشترط عليهم أن لا يكتموا ولا يغيبوا شيئًا، فإن فعلوا، فلا ذمة لهم ولا عصمة، فغيبوا مسكًا فيه مال وحلي لحيي بن أخطب، كان احتمله معه إلى خيبر، حين أجليت النضير، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعم