حيي: «ما فعل مسك حيي الذي جاء به من النضير؟» ، فقال: أذهبته النفقات والحروب فقال صلى الله عليه وسلم: «العهد قريب والمال أكثر من ذلك» ، فدفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى الزبير بن العوام، فمسه بعذاب، وقد كان حيي قبل ذلك قد دخل خربة، فقال: قد رأيت حييًا يطوف في خربة هاهنا، فذهبوا فطافوا، فوجدوا المسك في خربة فقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ابني أبي حقيق وأحدهما زوج صفية بنت حيي بن أخطب، وسبى رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءهم وذراريهم، وقسم أموالهم للنكث الذي نكثوه] رواه ابن حبان-واللفظ له-، وأبو داود، والبيهقي، وابن المنذر، وقال الإمام ابن حجر: [أخرجه البيهقي بإسناد رجاله ثقات] (فتح الباري: 7/ 479) ، وحسنه الشيخ الألباني رحمه الله، والعجيب أن شيخ الإسلام -رحمه الله- قد عزا هذا الحديث إلى الصحيح فقال: [وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الزبير أن يمس بعض المعاهدين بالعذاب لما كتم إخباره بالمال حين سأله عن كنز حي بن أخطب، فقال: يا محمد أذهبته النفقات والحروب، فقال: المال كثير والعهد أقرب من هذا، ثم قال للزبير: دونك هذا، فمسه الزبير بشئ من العذاب فدلهم على المال] (مختصر الفتاوى المصرية:1/ 358) .وقال في موطن آخر: [وقد روى البخاري في صحيحه عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صالح أهل خيبر ... الحديث] (السياسة الشرعية: 41) .فالله تعالى أعلم.
والشاهد من هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قد اعتمد على شواهد الحال وقرائنه على تكذيب اليهود في ادعائهم ذهاب مسك حيي، فقال: [العهد قريب والمال أكثر من ذلك] ، وبناء على هذه القرينة أمر الزبير بأن يمسه بشيء من العذاب، فظهر كذبه به بعدما عرّف مكان المال الذي أخفوه، وبهذا عدهم النبي صلى الله عليه وسلم ناكثين للعهد فقتل من قتل منهم وسبى نساءهم وذراريهم، وهذا ألجمه صلى الله عليه وسلم بشواهد الحس التي لا يمكن دفعها: العهد قريب والمال أكثر من ذلك، أي أكثر من أن تفنيه نفقات الحرب في هذه المدة اليسيرة، وهذه قرينة دلت على كذب الرجل فتناقصت عصمته شيئا فشيئا أولًا بمسه بشيء من العذاب ثم بعد الحصول على المال قتل.
قال الإمام ابن القيم -رحمه الله-: [وكثير من القرائن والأمارات أقوى من النكول، والحس شاهد بذلك فكيف يسوغ تعطيل شهادتها.
من ذلك أن النبي صلى الله عليه و سلم أمر الزبير أن يقرر عم حيي بن أخطب بالعذاب على إخراج المال الذي غيبه وادعى نفاده فقال له العهد قريب والمال أكثر من ذلك فهاتان قرينتان في غاية