ومن ذلك ما سيذكره المصنف من أن للإمام قتل السارق سياسة أي إن تكرار منه، وسيأتي أيضا قبيل كتاب الجهاد أن من تكرر الخنق منه في المصر قتل به سياسة لسعيه بالفساد، وكل من كان كذلك يدفع شره بالقتل.
وسيأتي أيضا في باب الردة أن الساحر أو الزنديق الداعي إذا أخذ قبل توبته ثم تاب لم تقبل توبته، ويقتل، ولو أخذ بعدها قبلت وأن الخناق لا توبة له] (حاشية ابن عابدين:4/ 63) .
وقد سألت بعض أهل العلم الفضلاء ممن يعتمد مجاهدو الإمارة على فتاويهم وقضائهم عن هذه المسألة أعني قتل الجاسوس المسلم، وكيفية إثبات التهمة عليه مع تعذر البينة والإقرار الاختياري في الظروف التي لا تخفى عليه فأجاب -حفظه الله- إملاء بقوله: [أنا أحكم وأقضي على الجاسوس بغلبة الظن وإظهار أمارات الجاسوسية عليه؛ لأن غلبة الظن حجة موجبة للعمل، وأيضا يوجب العمل بالقرائن القاطعة إذا لم يكن فوقها دليل، ولا حاجة إلى الشهادة والإقرار الاختياري خصوصا في الجاسوس الذي ليس في أيدينا (أي الممتنع) ، وخصوصا في هذا الزمان -أي زمان الجهاد- الذي لا نقدر فيه على سجنه وعلى القضاء الصحيح مع انعدام القضاة العادلين غالبًا، وقتله إنما هو لأجل سعيه بالفساد، وقد اتفقت كتبنا على قتل الساعي في الأرض بالفساد، ولا فساد أعظم مما يفعله بدلالته للكفار على عورات المسلمين اهـ] ، ولهذا العالم المجاهد الجليل كتابٌ واسع في أحكام الجهاد تناول فيه كثيرا من مسائله العصرية، ولولا أنه كتبه بغير العربية لنقلت شيئًا مما دونه، كما أنني قرأت عليه خلاصة هذا البحث التي كتبتها في آخره فأقرها وأيدها.
وقد ذكر الشيخ عبد الله عزام -رحمه الله- أن بعض قضاة المجاهدين في وقته كانوا يحكمون على كثير من الجواسيس بالقتل تعزيرًا فقال: [وفي أفغانستان: حدثني القاضي محمد عمر من بروان: أني حكمت على كثير من الجواسيس بالقتل تعزيرا لاحدا.] (اعلان الجهاد:7) .
المسألة الثانية: قال الشيخ حسن مأمون -رحمه الله- في فتوى له طويلة حول واقعة تجسس: [الجاسوسية واقعة مادية تثبت بالإقرار، وبالبينة، كما تثبت بالأوراق القاطعة في ذلك.] (فتاوى الأزهر: 6/ 73) .
فقد قرر أن الأوراق القاطعة تثبت بها الجاسوسية على المتهم، مع أنها ليست إقرارًا، ولا شاهدين، وهناك كثيرٌ من الأجهزة والتقنيات العصرية التي ثبت في ساحات الجهاد ثبوتًا قطعيًا أنها من معدات