التجسس، ولا يستعملها إلا الجواسيس، ومثل ذلك بطاقات أجهزة الأمن السرية التي يكون فيها صورة الجاسوس وتوقيعه أو بصماته ونحو ذلك.
وكثيرٌ من هذه الأشياء هي أشد قطعية من الأوراق التي تحتمل التزوير، وهي من القرائن القاطعة التي لا يكاد يتطرق إليها الاحتمال إلا مع التكلف والبعد، جاء في مجلة الأحكام وشرحها: [القرينة القاطعة هي الأمارة البالغة حد اليقين، مثلا: إذا خرج أحد من دار خالية خائفا مدهوشا، وفي يده سكين ملوثة بالدم، فدخل في الدار ورئي فيها شخص مذبوح في ذلك الوقت، فلا يشتبه في كونه قاتل ذلك الشخص، ولا يلتفت إلى الاحتمالات الوهمية الصرفة، كأن يكون ذلك الشخص المذكور ربما قتل نفسه] (درر الحكام شرح مجلة الأحكام: 4/ 431) .
وقال العلامة أبو الحسن التسولي المالكي -رحمه الله- في جوابٍ طويلٍ حول القبائل التي تتكتم على الجواسيس ونحوهم:[ثم بعد تقدم الإمام إليهم وإلزامهم بما ذكر، يجعل المراصد على الطرقات من أهل الثقات، العارفين بمغابن الطرق من غير أولئك القبائل والمداشر خفية منه، فإذا ظفر بأحد من الجواسيس ونحوهم ممن كلفهم بحراسة، أو ثبت على أحد منهم شيء من ذلك بإقرار أو بينة، فلا إشكال أنه يحل له عقوبة الجميع.
أما عقوبة الجاسوس فتكون القتل، ولا تقبل له توبة] (أجوبة التسولي على مسائل الأمير عبد القادر الجزائري 114 - 115) .
فقد جعل من طرق معرفة الجواسيس الترصدَ عليهم في الطرقات خفيةً، وجعل هذا كافيًا في إثبات التهمة عليهم تمامًا كالإقرار والبينة، ولهذا عطف هذين على كلامه السابق بحرف (أو) وجعل حكم الجميع القتل.
المسألة الثالثة: كما جاء في روايات قصة حاطب رضي الله تعالى عنه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد علم بكتابته للكتاب، وبما احتواه من تبليغ قريشٍ الخبر، وحمل المرأة له، ومكان وجودها بالوحي، وذلك لأن حاطبًا رضي الله عنه قد قام بعمله ذلك خفية واستسرارًا، وذلك يدل على أمور منها:
الأول: خطورة ما يترتب على عمل الجاسوس، حتى نزل الوحي من السماء ليُطلِع النبي صلى الله عليه وسلم على كل ذلك، ولولا ذلك لوقع المحظور ووصل خبر النبي صلى الله عليه وسلم إلى قريش، وهذا مع أن ما تضمنه كتاب حاطب رضي الله عنه إنما هو إعلامٌ بعزم النبي صلى الله عليه وسلم على غزوهم، ومعلومٌ أن الوحي قد انقطع بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وبقي خطر الجاسوس على حاله بل تضاعف في هذا الزمان وتفاقم شره، وكفُّ شر