الجواسيس لا ريب أنه مقصودٌ شرعًا وإلا لما نزل الوحي بخبر حاطب، وحيث لا وحي يبين حقيقتهم ويعرف بأشخاصهم ويكشف أسرارهم، فلا بديل إلا الاحتراز والتيقظ واعتماد القرائن والشواهد للتفحص والتفتيش والتعرف عليهم، لأن عمله أساسًا يقوم على التخفي والتمويه والتكتم بنقل الأخبار والأسرار، ولهذا أخذ بعض العلماء من هذا الحديث جواز التجسس على الجواسيس كما قال القاضي عياض -رحمه الله-: [وفيه جواز التجسس على الجواسيس، ومن يبغي ضرر المسلمين، وجواز الاطلاع على كتبهم.] (إكمال المعلم شرح صحيح مسلم: 7/ 271) .
الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرف أعيان كثير من المنافقين، وبعضهم بأوصافهم وسيماهم ولحنهم بالقول، وكانوا يتحدثون فيما بينهم بالكفر كما قال تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} [البقرة/14] ، وكان يبلغه عن بعضهم أقوال قبيحة، ومع ذلك لم يعاقبهم ولم يكن ينقب عن أحوالهم أو يفتش عن مكنوناتهم وحقائقهم وإنما يعاملهم بحسب ظاهرهم، وذلك لأنهم في قبضة المسلمين وتحت سلطانهم، بل إن أصل ظهور نفاقهم وتظاهرهم بالإسلام إنما سببه ومرده قوة شوكة المسلمين، ولهذا لم يكن في مكة منافق لعدم الحاجة لذلك باعتبار أن الغلبة كانت للمشركين.
أما في حال الجاسوس فقد رأينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أرسل عددًا من الفرسان وعلى رأسهم عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، وأمرهم أن يأخذوا الكتاب من المرأة التي حدد لهم مكان وجودها، وعندما حاولت الإنكار هددوها وتوعدوها، بل جاء في بعض روايات الحديث الضعيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: [انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن فيها ظعينة معها كتاب من حاطب إلى المشركين، فخذوه منها وخلوا سبيلها، فإن لم تدفعه إليكم فاضربوا عنقها] (أسباب النزول:282) قال الإمام الزيلعي -رحمه الله-: [هو كذلك بتمامه في تفسير الثعلبي، ثم البغوي، وكذلك في أسباب النزول للواحدي، قلت: غريب بهذا اللفظ] (تخريج أحاديث الكشاف:3/ 448) .
والفرق بين المنافق والجاسوس أن المنافق يسر كفره، ويكتم ضغينته، ومن ثَم فضرره حائق به، فلا ضير في التغاضي عنه وإجراء الأحكام معه على حسب ظاهره ومعاملته بعدها معاملة المسلمين، أما الجاسوس فإن ضرره متعدٍ، وانتفاع الكفار به بينٌ ظاهرٌ، وربما أدى التغاضي عنه إلى وقوع طوام لا يعلم مداها إلا الله تعالى، فهو وإن كان كاتمًا لشره مستخفيًا في سعيه إلا أن حقيقة الضرر لاحقة بالمسلمين ولا بد، ولهذا تعين كف ذلك الضرر، وتوجَّب حماية أهل الإسلام مما قد يلحقهم بسببه