من الأذى والشر والنكاية، ففرقٌ كبيرٌ بين من تمنى النكاية بالمسلمين وكتم تمنيه في صدره أو تحدث به بين الموثوقين من حزبه وبين من سعى لإحداث تلك النكاية سرًا واجتهد في إعانة من يمكنه إيقاعها بأهل الإسلام خفيةً، فالأول هو حال المنافقين في الغالب، والثاني هو حال الجواسيس؛ ولهذا قال العلماء عن الجاسوس: هو أضر من المحارب، وصدقوا وايم الله.
والمنافق سالمٌ من العقوبة ما لم يظهر نفاقه، وليمت بعدها بغيظه كما قال تعالى: {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا * سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} [الأحزاب/60 - 62] .
قال شيخ الإسلام -رحمه الله-:[دلت هذه الآية على أن المنافقين إذا لم ينتهوا فإن الله يغري نبيه بهم، وأنهم لا يجاورنه بعد الإغراء بهم إلا قليلا، وأن ذلك في حال كونهم ملعونين أينما وجدوا وأصيبوا أسروا وقتلوا، وإنما يكون ذلك إذا أظهروا النفاق؛ لأنه ما دام مكتوما لا يمكن قتلهم.
و كذلك قال الحسن:"أراد المنافقون أن يظهروا ما في قلوبهم من النفاق فأوعدهم الله في هذه الآية فكتموه و أسروه"، وقال قتادة:"ذكر لنا أن المنافقين أرادوا أن يظهروا ما في قلوبهم من النفاق فأوعدهم الله في هذه الآية فكتموا"] (الصارم المسلول: 353) .
المسألة الرابعة: ذكرت في مقدمة البحث أنني كنت قد أرسلت بعض الأسئلة المتعلقة بالموضوع إلى عدد من العلماء الأجلاء، ولم يصل من طرفهم جوابٌ عليها، وعذرهم في ذلك معهم، فسأنقل هنا بعض تلك الأسئلة كما هي لتبقى معروضة على مَن لم نستطع إيصالها إليه من العلماء لعلهم يسعفونا بأجوبة عنها مأجورين مشكورين، وهذا هو نصها:
الحمد لله القائل {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} ، والصلاة والسلام على رسوله الأمين وآله الطيبين، وصحبه الميامين وتابعيهم إلى يوم الدين وبعد:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
فهذه أسئلة نبعثها إلى سادتنا العلماء، وأئمتنا الفضلاء، وقدواتنا النبلاء، مفاتيح الرشاد، ومصابيح السداد، راجين منهم أن يسعفونا بأجوبة وافية كافية تغني عما سواها، وتقرّ بها عينا من قرأها وتملاها، ونسأل الله لنا ولهم التوفيق لكل خير في الدنيا والآخرة وأن يجعل قلوبنا مجتمعة على محبته، متآلفة على طاعته، قائمة على الإخلاص في إقامة شرعته آمين آمين.