فقد أصحبت المحاكم التي تفصل في شؤون الناس وتبت في قضاياهم وخلافاتهم؛ محاكم وضعية ذات قوانين ونظم ما أنزل الله بها من سلطان، فبها يُحكَم في أمور الدماء والأعراض والأموال وكافة شؤون الحياة، وما أبقوه من بعض ما يُسمونه بالقوانين الإسلامية؛ فما هو إلا لموافقته لهواهم، ولأجل التدليس والتلبيس، وإلا فليس ذلك انقيادًا لأمر الله ولا استسلامًا لشريعته ولا إذعانًا لحكمه، فمن آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض؛ فهو كافر بالكتاب كله، كمن آمن ببعض الرسل وكفر ببعض وفرَّق بينهم في ذلك، كحال اليهود والنصارى، وقد قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا} [النساء: 150 - 151] ، وكما قال سبحانه: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 85] ، وقال سبحانه وتعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} [الأحزاب: 36] .
وذلك من خلال البرلمان الذي أوكلت إليه هذه المهمة.
وهذا أمرٌ مكفِّرٌ زائد على مجرد الحكم بغير ما أنزل الله، إذ أن مهمة هذا البرلمان؛ هي سن القوانين ووضع النُظم بغض النظر عن مخالفتها أو موافقتها لدين الإسلام، وعليه فإن كل قانون يصدر عن هذه الهيئة - حسب نظرهم - يعتبر نظامًا شرعيًا وقانونًا ملزمًا للناس، يعاقبون على مخالفته، سواء كان مناقضًا لدين الإسلام أم موافقًا له.
وهذه طريقة شركية كفرية، قد سبقهم إليها الكفرةُ في الجاهلية الأولى، كما كانوا يحلون الأشهر الحرم ويحرمونها حسب أهوائهم ومصالحهم، فجعل الله سبحانه فعلهم هذا زيادة في الكفر، كما قال عز وجل: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلِّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِؤُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [التوبة: 37] ، وكما قال سبحانه وتعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَن بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الشورى: 21] .