فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 102

[الكاتب: حامد بن عبد الله العلي]

الحمد لله.

ورضينا بالله ربا، وبمحمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم رسولا، وبالإسلام دينا، واللهمّ لمْ، ولن نرضى إلاّ بنظام يحكم بشريعتك، ويعزّ دينك، ويعيد السلطة للأمة، أمرها بينها شورى، وإنّا لبراءٌ من الطواغيت المستبدة، وجنودها المرتدة.

ولا ها الله، ما ينظر العاقل إلى حال أمّتنا إلاّ وتبصر عيناه أنّ أعظم أسباب تعاستها، هذه الأنظمة التي جثمت على صدر الأمّة، تحول بينها وبين نهضتها، وتقعد لها بكلّ صراط، تُوعد، وتصدّ عن سبيل الله من آمن، وتبتغي مهيع الحق عوجا، ومنهج العدل أعرجا، وبحر الفتنة لججا.

وذلك أنهّم - أي ساسة هذا النظام المتعفّن - قد ركبوا عشر حماقات:

الحماقة الأولى:

أنهم تركوا شريعة الله تعالى المنزّلة من أعلى عليين، المكرّمة، المرفوعة المطهّرة، المنزّهه من كلّ نقص، المبرّءة من كلّ عيب، الموحى بها على خير البشر، المتضمنة كلّ خير للبشر، واستبدلوا بها، طواغيت القوانين التي كتبها ملحدوا أوربا، من حثالة السقط، فلمّا حكموا بها ما زادتهم غير تتبيب، وارتكسوا بتبديلهم أعظم نعمة الله تعالى عليهم، إلى دكادك الذل، والانهزام، فصاروا أخس من الرقيق بيد أعداءهم، ثم لايتوبون، ولاهم يذّكرون.

الحماقة الثانية:

أنهم يعلمون أنّ العزة بالرماح، والمنعة بإتخاذ السلاح، وأنّ القوة هي القرار، ومن ضيعها فليس له قرار، كما يرون الأمم من حولهم، يسعون في المدارج العسكرية، ويجمعون الجيوش العرمرمية، بينما هم في ضعفهم، وذلهّم وخنوعهم للأجنبي، لم يستحوا من أن تدافع عنهم العاهرات الغربية، ولم يخجلوا من أن بلادهم استباحتها جنود الصهاينة والصليبية!

الحماقة الثالثة:

أنهّم يرون الأمم من حولهم تتّحد، وعن مسالك الفرقة والتناحر تبتعد، وترجّح الروابط الجامعة، على العصبية الوطنية الخامعة، كما فعلت أوربا في إتحادها، ومعها رأس محور الشر أمريكا في أحلافهم العسكرية، ومع ذلك يزدادون هم في تمزقهم، وتجزؤهم، وتدابرهم، وتناحرهم، حتى ربما يكون سبب تفرقهم المقيت - من ضعف عقولهم - لعبة الكرة! أو بضعة أمتار من تراب الحدود، أو برنامج في وسيلة إعلام، تناول بالنقد صاحب السمو عالي المقام! إلى آخر هذه الخلافات الصبيانية!

الحماقة الرابعة:

أنهم يعلمون أنّ الرضا بالذلّ والتبعية للأجنبي، خزْي الدنيا، وعذاب الآخرة، وأن الإستعلاء بعقيدة الإسلام، والجهاد في سبيلها مجد الدنيا، وعزّ الآخرة، ومع ذلك اختاروا الحياة الذليلة، على الخلود في النعم الجليلة.

الحماقة الخامسة:

أنهم يرون مصير الطغاة إلى أسفل سافلين، ومآل البغاة إلى محل الأرذلين، ومع ذلك يتمسّكون بالإستبداد، ويستكبرون على العباد، ويتنكبون المنهج الرشاد؟

الحماقة السادسة:

أنهم يرون صنهم الذي إليهم يحجون، وبه يطوفون و يتبركون، أمريكا، قد مرّغ الله وجهها في الطين، وأذلها على رؤوس المسلمين وغير المسلمين، ومع ذلك يزداد تشبّثهم بها، وظنّهم الخلاص في طريقها، وهي تقودهم من هلاك إلى تباب، ومن حرب فاشلة إلى خراب، ويسيرون وراءها، كبهيمة عجماء قاد زمامها أعمى على عوج الطريق الجائر.

الحماقة السابعة:

أنهم يعلمون أنّ عدوّهم إنما يتسلّط عليهم بالمال الذي يسرقه من أيديهم، وبالثروة التي يسطو عليها من تحت أقدامهم، وأنّ بها قوته، ومنها يستمد إستكباره وسلطته، ومع ذلك يعطونه منها بلا حساب، ويمدونه بها بلا عتاب، فجعلوا ثرواتهم عزة لسواهم، و قوة لغيرهم لا لهم!

الحماقة الثامنة:

أنّهم يعلمون من أعظم أسباب قوّة السلطان، بتقريب ذوي الحزم بالرأي والعلم بالسنة والقرآن، وأنّ أمّتهم فيها أعظم الخير، وأنه لاغنى لحاكم عن شعبه، فكلّما أتاح لهم فرص المشاركة في إتخاذ القرار، كان أقرب إلى الصواب، إذ الجماعة أقرب إلى إصابة الحق، وخطل الرأي في احتقار الخلق، ومع ذلك لايزالون في استكبار الجهلة، وغيّ البَطَلة،

والعجب أنهم لايرعوون عن هذه الحماقة إلاّ إذا خافوا من ضغط الكفرة عليهم، تحت شعار الديمقراطية الزائف، فيخافون من الغرب الكافر أعظم من خوفهم من الله، وخضوعهم للـ"معزة الجربة رايس"- على سبيل المثال - أكبر في نفوسهم من احترامهم لشعوبهم، فحينئذ يجمعون من باعة الذمم طائفة، فصنعوا لهم مجلسا، واتخذوهم ليغطوا ظلمهم واستبدادهم بالتزوير، غير أن أمرهم مكشوف لاينفع فيه التغرير.

الحماقة التاسعة:

أنهم يهينون علماء الشريعة الذين هم أولياء الله، وملجأ الناس بعد الله، ومكمن القوة الشعبية، ومحرّك الحماسة الأممية، ثم إذا احتاجوهم لتمرير باطلهم، جاءوا بعلماء السوء، وبتجار الدين، فأظهروهم في مظاهر الخزي، والدجل، والكذب، فزاد الطين بلّة، وعطّلوا أعظم أسباب القوة في الدولة.

الحماقة العاشرة:

أنهم يصبون أعظم ظلمهم على خير الناس، وأنفعهم للناس، وهم المجاهدون في سبيل الله، الباذلون مهجهم لنصر الدين، وإغاثة المسلمين، ثمّ على الدعاة إلى الله تعالى، المصلحين، القائمين على تعليم الناس الخير، فامتلأت سجونهم بهؤلاء الأخيار، وتسلطوا بالشر على الأبرار، أما أهل المجون، والعهر، فيسرحون ويمرحون، وبدين الله والاخلاق يعبثون!

وهم مع ذلك يرون مصرع الظالمين، هو مصير واحدٌ عبر التاريخ في كلّ حين، وكلّما نصحهم الناصحون بأنّ الله تعالى يمهل، ولا يهمل، وأنه بالظلم تزول الدول، وكم في ذلك من عبرة في القرون الأُوّل، ما زادهم ذلك إلاّ نُفورا.

وبعد هذا كله، أليس هو الواقع المُصدّق، لمن لايحتاج قوله إلى مُصدّق.

إذ خرج أبو يعلى رحمه الله بإسناده: خطبنا معاوية في يوم جمعة، فقال: (إنما المال مالنا، والفيء فيئنا، من شئنا أعطينا، ومن شئنا منعنا) ، فلم يرد عليه أحد، فلما كانت الجمعة الثانية قال مثل مقالته، فلم يرد عليه أحد، فلما كانت الجمعة الثالثة قال مثل مقالته، فقام إليه رجل ممن شهد المسجد، فقال: (كلا، بل المال مالنا، والفيء فيئنا، من حال بيننا وبينه حاكمناه بأسيافنا) ، فلما صلى أمر بالرجل فأدخل عليه، فأجلسه معه على السرير، ثم أذن للناس فدخلوا عليه، ثم قال: (أيها الناس إني تكلمت في أول جمعة فلم يرد علي أحد، وفي الثانية، فلم يرد علي أحد، فلما كانت الثالثة أحياني هذا، أحياه الله، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"سيأتي قوم يتكلمون فلا يرد عليهم يتقاحمون في النار تقاحم القردة"، فخشيت أن يجعلني الله منهم، فلما رد هذا علي أحياني، أحياه الله، ورجوت أن لا يجعلني الله منهم) .

"يتقحّمون في النار تقحّم القردة".

والله ما يزيّن لهم باطلهم، ولا يسمّيهم ولاة الأمر، إلاّ مفتر، غاش لدينه، وأمته.

حسبنا الله ونعم الوكيل، ونسأل الله العافية في ديننا، ودنيانا، وأهلنا، وأموالنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت