[الكاتب: عبد الآخر حماد الغنيمي]
منذ سنوات أخبرني صديق بواقعة غريبة حدثت في إحدى قرى محافظة قنا بصعيد مصر، وكان ملخصها أن واحدًا من شيوخ الطرق الصوفية في تلك البلدة كان يمسك بسلاح ناري في يده، وبينما هو يعبث به انطلق منه مقذوف فأصاب غلامًا صغيرًا كان يلعب قريبًا منه، فأرداه قتيلًا.
وكانت المفاجأة أن أهل الغلام بدلًا من أن يقتصوا من الشيخ أو يقاضوه أو حتى يظهروا عتبهم عليه، راحوا يعلنون فرحهم وابتهاجهم، لأن هذه الميتة تدل على أن هذا الغلام غلام مبارك؛ إذ لولا بركته ما كانت وفاته على يدي شيخ مبارك، وانطلقت الزغاريد من أفواه النساء، وجلست أم الغلام في أبهى ثيابها تتقبل التهاني من أترابها اللاتي جئن صائحات: (يا هناه يا هناه، قد مات بيد الشيخ) .
أعاد هذه الحادثةَ إلى بؤرة الشعور حديثٌ أجرته مؤخرًا إحدى الفضائيات العربية مع الرئيس السوداني السابق جعفر النميري، تأكدت من خلاله أن أكثر من يمارسون الدجل والاستخفاف بعقول الناس هم من يزعمون أنهم قادة الأمة وزعماؤها، وأنهم يمارسون ذلك بصورة أفظع من تلك التي يمارسها الدجالون من المشايخ المزيفين.
فقد سئل النميري عن قانونية محاكمته لمدنيين أمام محاكم عسكرية إبان حكمه:
فقال: (إن محاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية هو تشريف لهم وتكريم، وذلك لأن الشخص العسكري أفضل من المدني؛ إذ هو يجمع إلى كونه مواطنًا صفة كونه عسكريًا فهو قد جمع نقطتين في مقابل نقطة واحدة للمدني، فكان المدني -والكلام لا يزال للنميري- من أصحاب القرش بينما العسكري من أصحاب القرشين!!) .
ثم استطرد يقول: (ولذلك فحين حُكم بالإعدام على مدنيين وعسكريين بعد أحد الانقلابات، رفضت رفضًا باتًا أن يعدم المدنيون بإطلاق الرصاص عليهم بل أمرت بأن يقتلوا شنقًا) .
أي أنه يرى أن القتل رميًا بالرصاص هو من الشرف الذي يستحقه العسكريون وحدهم، ولا ندري لماذا رضي أن يُكرَّم المدنيون ويُشرفوا بمحاكمتهم أمام المحاكم العسكرية، ثم استكثر عليهم أن يقتلوا بنفس الطريقة التي يقتل بها العسكريون؟!
لا شك أن هذا المنطق الذي يتحدث به النميري لا يمكن أن يقنع عاقلًا ولا يرضى به إنسان يحترم آدميته، ولكني أزعم أن غالبية حكام العرب والمسلمين اليوم يتفقون معه بصورة أو بأخرى، ربما كان هناك فارق في الأسلوب وطريقة الصياغة فقط، أما المضمون فهو نفس المضمون، ولعل السبب في ذلك أن النميري لم يعد له الآن مستشارون يشيرون عليه بأجدى طرق التدليس وتلبيس الحق بالباطل، أما غيره ممن يزالون في سدة الحكم فلهم جيوش من المستشارين والإعلاميين الذين يقومون بدور سحرة فرعون، فيسحرون عقول الناس بكلماتهم المعسولة وتحليلاتهم التي لا تنتهي حول حكمة الزعيم ومراعاته لمصلحة شعبه في كل خطوة يخطوها وكل حركة يتحركها.
قد لا يدعي أولئك القوم ما ادعاه النميري من أن في محاكمة المدنيين عسكريًا تشريفًا لهم، لكنا نراهم يصورون خصوم الحاكم - وغالبيتهم الآن من الإسلاميين- في صورة الإرهابيين المتعطشين دومًا للقتل وسفك الدماء، ولا يزالون في منهجهم ذاك حتى يعتقد الناس أن هؤلاء المخالفين ليسوا بشرًا من البشر، بل هم شياطين لا يستحقون أصلًا أن يحاكموا إلى محاكم لا مدنية ولا عسكرية، وإنما علاجهم هو ما كان يراه الهالك زكي بدر من الضرب في سويداء القلب بلا اتهام ولا محاكمة.
فإذا أعيتهم الحيل في وصم بعض المخالفين بالإرهاب، قالوا عنهم -كما جاء في مذكرة قدمتها الجهات الأمنية في مصر مؤخرًا ضد بعض الإسلاميين - إنهم يهدفون إلى زعزعة الاستقرار في البلاد بالدعوة إلى التظاهر ضد الحكومة لتخاذلها عن نصرة الشعب الفلسطيني، وعمالتها لدولة أجنبية وإنهم يحملون نظام الحكم المسؤولية عن مشاكل اجتماعية واقتصادية بينها ارتفاع معدلات البطالة، وإنهم عقدوا لقاءات وأجروا اتصالات مع عناصر إجرامية للمشاركة في مظاهرات للاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة ومقاومة رجال الشرطة، وهي تهم تكفي لمحاكمتهم أمام محكمة عسكرية.
إنه نفس المنطق الفرعوني في التلبيس والتدليس وقلب الحقائق، بحيث يغدو المصلح مفسدًا والمفسد إمام المتقين: (وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد) [غافر:26] .
وكثير من المسلمين - حتى من عوامهم - يتهكمون من هذا المنطق الفرعوني ويقولون إذا سمعوا هذه الآية: انظروا إلى رأس الفساد في الأرض يزعم أنه حريص على انتشار الصلاح في البلاد، ويخشى من ظهور الفساد بسبب دعوة موسى عليه السلام، لكنهم لا يفطنون إلى أن فراعنة العصر الحديث يسيرون على نفس درب سلفهم الأكبر، وأن كلمة فرعون هي عينها كلمة كل طاغية مفسد عن كل داعية مصلح.
كما يذكر الأستاذ سيد قطب رحمه الله: (إنه منطق واحد يتكرر كلما التقى الحق والباطل، والإيمان والكفر، والصلاح والطغيان، على توالي الزمان واختلاف المكان، والقصة قديمة مكررة، تعرض بين الحين والحين) [الظلال 5/ 3078] .
كما أنه نفس منطق فرعون في حمل الناس على رأيه وقسرهم عليه بدعوى أنه أعرف منهم بما يصلح لهم (ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد) [غافر:29] ، فهو القيم على عقول العباد، وكل ما يختاره لهم هو الرشد والصواب.
(وهل يرى الطغاة إلا الرشد والخير والصواب؟! وهل يسمحون بأن يظن أحد أنهم قد يخطئون؟! وهل يجوز لأحد أن يرى إلى جوار رأيهم رأيًا؟! وإلا فلم كانوا طغاة؟!) [الظلال 5/ 3080]
ربما كان الفارق الوحيد بين فرعون القديم وأحفاده الفراعنة الجدد أن فرعون القديم كان شديدًا على قومه وعلى أعدائه خارج البلاد في نفس الوقت، أما هؤلاء فإنهم بالقدر الذي يذيقون مخالفيهم من بني جلدتهم العذاب ألوانًا، فإنهم كالحملان الوديعة مع أعداء الأمة من اليهود والأمريكان، بل لم يكن الدكتور محمد عباس مبالغًا حين ذكر في مقال له بجريدة الشعب المصرية أن مهمة حكامنا التي جيء بهم من أجلها، ويقومون بها خير قيام هي حماية"إسرائيل".
إن بعد أولئك الحاكمين عن شريعة الله، وبطشهم بالدعاة إليها، وتعاونهم مع أعداء الله من اليهود والأمريكان ضد إخواننا المجاهدين في فلسطين وغيرها لهو أمر واضح لكل ذي عينين، ومن هنا ندرك مدى فداحة ما يرتكبه البعض من الترويج لهذه الأنظمة وإضفاء ألقاب الشرعية عليها، أو حتى بالتماس الأعذار لها في تقاعسها عما يجب عليها.
ولذا فقد كانت صدمتنا شديدة حين تابعنا في الفترة الماضية ما نشر على لسان إخواننا من قادة الجماعة الإسلامية في مصر من حوارات وتصريحات، حيث وجدنا جانبًا كبيرًا منها يصب في خانة تلك الأنظمة المستبدة بالدفاع عنها وادعاء شرعيتها، وانظر معي للأقوال التالية التي نشرت على لسان بعض أولئك القادة في حواراتهم مع رئيس تحرير مجلة المصور المصرية:
(الدولة تقوم على إدارة المساجد التي تقام فيها الصلاة، كما أن الدولة هي التي تقوم على شؤون الحج، والدولة من خلال الأزهر تقبل الزكاة وتقوم بتوزيعها. . . إذن تبقى بعض الأحكام الشرعية التي لا تطبق بسبب وجود عذر، أو لأن هناك ظروفًا تمنع تطبيقها، مثل حدي الزنا والسرقة، لذلك الحكومة المصرية مسلمة ومؤسساتها شرعية) .
(سيدنا عمر لم يقم حد السرقة في عام الرمادة لأن الظروف الاقتصادية وقتها لم تكن تسمح بإقامة الحد، وبالقياس فإنه ليس معقولًا أن أطالب في هذا العصر بتطبيق حد الزنا في ظل أزمة الزواج) .
(من حق الحاكم أن يرى هل تسمح الظروف بتطبيق أحكام الشريعة أم لا، وعلى الجميع أن يتركوا له تقدير ذلك في بعض الأمور، مثل أن تكون البلاد معرضة لهجوم خارجي أو وجود مسيحيين داخل المجتمع أو وجود منظمات لحقوق الإنسان تعارض تطبيق هذا الحكم الشرعي أو وجود دولة إسرائيل بجوارنا) .
وكل هذه التبريرات لا سند لها ولا دليل عليها، فليس وجود طوائف من غير المسلمين في المجتمع يصح أن يكون مانعًا من إقامة شرع الله، وإلا فلمن جاءت أحكام غير المسلمين في المجتمع المسلم؟ وفي أي شرع وأي عرف يحق للأقلية أن تفرض رأيها على الأغلبية فتمنعها من الالتزام بما يمليه عليها دينها ومعتقدها؟
كما أن وجود عدو خارجي لا يصح أن يكون مانعًا أيضًا من إقامة شرع الله، بل على العكس من ذلك فإن وجود العدو الخارجي يجب أن يكون حافزًا لهؤلاء الحكام -إن كانوا مسلمين حقًا -أن يعودوا إلى ربهم ويستمطروا نصره بتطبيق أحكام شريعته، أما أعجب هذه التبريرات فهو وجود بعض منظمات حقوق الإنسان التي تعارض تطبيق أحكام الشريعة، وكأن أخانا صاحب هذا القول لا يعلم أن منظمات حقوق الإنسان قد أصدرت آلاف التقارير عن انتهاكات حقوق الإنسان في مصر، ومع ذلك لم يعبأ بها النظام في مصر، فلماذا يحسب حسابها فقط عندما يتعلق الأمر بقضية شرع الله؟
كما أنه يجب أن يعلم أن ثمة بونًا شاسعًا بين عدم إقامة عمر رضي الله عنه لحد السرقة في عام الرمادة، وبين ما نراه من تعطيل لشرع الله في بلاد المسلمين، فالخليفة الراشد لم يُلغِ حد السرقة ولا استبدل به تشريعًا غيره، كل ما هنالك أنه رأى أن شروط إقامة الحد لم تُستوفَ فلم يُقمه، فهل يستوي هو ومن بدل شريعة الله تعالى ونبذها وراءه ظهريًا؟ وإذا كان فقر السارق واحتياجه هما المانع من إقامة الحد، فهلا طالبتم الحكام بإقامة حد السرقة على كبار اللصوص وهم من أغنى الأغنياء في مصر؟
والنظام في مصر ليس معنيًا بتطبيق الشريعة ولا راغبًا فيها من حيث الأصل حتى تلتمس له الأعذار في تأجيل الحكم بها، بل إن حكامنا يعتبرون منع الإسلاميين من الوصول للحكم هدفًا مهمًا لدرجة أنهم يبررون به عدم تطبيقهم الكامل للديمقراطية التي يتشدقون بها، فقد نشرت مجلة النيوزويك في أواخر ديسمبر الماضي حوارًا دار بين السفير الأمريكي والرئيس المصري حول أسباب عدم وجود ديمقراطية حقيقية في مصر.
وكان جواب الرئيس أن السبب في ذلك: (أن النظام الديمقراطي الحقيقي سوف يأتي بالأصوليين إلي سدة الحكم، مثلما وقع أو كاد يقع في الجزائر، وهو أمر لا يحقق المصالح الأمريكية، بل يتعارض مع وجهات النظر السائدة الآن) .
أي أنه يعلم أن الشعب راغب في أن يحكم بما أنزل الله، ومع ذلك يصر على الامتناع عن ذلك لأن ذلك يضر بالمصالح الأمريكية، فأي عذر يلتمس لهؤلاء؟
ثم إن أولئك المتحاورين لم يكتفوا بالتماس الأعذار للنظام وسوق المبررات له، بل راحوا يركزون على إعلان توبتهم من الفكر الذي كانوا عليها سابقًا، وأنهم إنما اعتنقوه لأنهم كانوا صغارًا ولم يكن نضجهم العقلي مكتملًا، وأنهم الآن مستعدون لإصدار اعتذار علني للشعب المصري عما ارتكبوه في حقه، وكأنه لم يكن هناك طرف آخر هو السبب الرئيس في وقوع ما كان يسمى بأعمال العنف.
فكل متابع للواقع المصري في العقدين السابقين يعلم أن السياسات القمعية التي اتبعها النظام المصري خصوصًا منذ تولي الهالك زكي بدر وزارة الداخلية هي السبب المباشر لتلك الأحداث.
بل كانت سياسة النظام في بعض الفترات هي إذكاء نار تلك المواجهات، وعدم الاستجابة للجهود التي كان يبذلها بعض الوسطاء لوقفها، وذلك مثلما حدث في محاولة بعض العلماء والمفكرين للوساطة إبان وزارة عبد الحليم موسى والتي انتهت بالرفض التام لها من قبل النظام، وإقالة وزير الداخلية بدعوى أنه لا حوار مع الإرهابيين.
وكذلك ذكر الدكتور عبد الصبور شاهين في عدد [6/ 7/2000] من مجلة الأهرام العربي أنه اتفق مع الدكتور عبد المنعم النمر على التوسط من أجل إرخاء التوتر القائم بين الجماعة والدولة، وأن الدكتور النمر ذهب إلى زكي بدر يكلمه في ذلك ففوجئ به يقول له: (إنتوا ناس بتوع فتة، والعيال اللي بتتكلموا عنهم قبضنا على مجموعة منهم بالأمس، ووجدنا معهم كشفًا بالأشخاص المطلوب تصفيتهم جسديًا) .
وأخبره أن اسمه واسم الدكتور عبد الصبور شاهين على رأس القائمة، وقال الدكتور شاهين إنه لما قابل زكي بدر أكد له أنه مطلوب قتله، وأنه سيلحق بالشيخ الذهبي، وصرح له باقتناء مسدس للدفاع عن نفسه، ثم ذكر الدكتور عبد الصبور شاهين أنه تأكد بعد ذلك أن كل ما قاله زكي بدر كان كذبًا، وأنه إنما قاله رغبة في إبعاد فكرة المصالحة عن ذهنه حتى يستمر القلق ويبقى التوتر.
وبعد:
فإننا لا نمانع في أن يراجع المرء فكره وما لديه من قناعات، على أن يكون ذلك مبنيًا على نظرة شرعية سليمة، لا أن يردد أقوالًا كان هو نفسه يعتبرها مجرد شبهات وأباطيل تغني حكايتها عن تكلف الرد عليها.
كما أننا ما كنا نرجو لرجالٍ ضربوا من قبل أروع الأمثلة في الصبر والثبات أن يؤول أمرهم إلى تملق نظام طاغوتي ومدحه بما ليس فيه، في الوقت الذي يقْسون فيه ويشتدون على إخوان لهم كانوا إلى عهد قريب يقفون معهم في خندق واحد كالجماعات الجهادية في مصر وخارجها، وعلى إخوان آخرين كانوا بالأمس يتهمونهم بمداهنة هذا النظام والركون إليه، فسبحان من يغير ولا يتغير.
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.