[الكاتب: عبد الآخر حماد الغنيمي]
في حوار مع إحدى الفضائيات العربية سئل الرئيس السوداني السابق جعفر النميري عن مدى قانونية محاكمته لمدنيين أمام محاكم عسكرية إبان حكمه فقال:
(إن محاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية هو تشريف لهم وتكريم، وذلك لأن الشخص العسكري أفضل من المدني؛ إذ هو يجمع إلى كونه مواطنًا صفة كونه عسكريًا فهو قد جمع نقطتين في مقابل نقطة واحدة للمدني، فكأن المدني - والكلام لا يزال للنميري - من أصحاب القرش بينما العسكري من أصحاب القرشين!!) ، ثم استطرد يقول: (ولذلك فحين حُكم بالإعدام على مدنيين وعسكريين بعد أحد الانقلابات، رفضت رفضًا باتًا أن يعدم المدنيون بإطلاق الرصاص عليهم بل أمرت بأن يقتلوا شنقًا) .
أي أنه يرى أن القتل رميًا بالرصاص هو من الشرف الذي يستحقه العسكريون وحدهم، ولا ندري لماذا رضي أن يُكرَّم المدنيون ويُشرفوا بمحاكمتهم أمام المحاكم العسكرية، ثم استكثر عليهم أن يقتلوا بنفس الطريقة التي يقتل بها العسكريون؟!
لا شك أن هذا المنطق الذي يتحدث به النميري لا يمكن أن يقنع عاقلًا ولا يرضى به إنسان يحترم آدميته، ولكني أزعم أن غالبية حكام العرب والمسلمين اليوم يتفقون معه بصورة أو بأخرى، ربما كان هناك فارق في الأسلوب وطريقة الصياغة فقط، أما المضمون فهو نفس المضمون، ولعل السبب في ذلك أن النميري لم يعد له الآن مستشارون يشيرون عليه بأجدى طرق التدليس وتلبيس الحق بالباطل.
أما غيره ممن يزالون في سدة الحكم فلهم جيوش من المستشارين والإعلاميين الذين يقومون بدور سحرة فرعون، فيسحرون عقول الناس بكلماتهم المعسولة وتحليلاتهم التي لا تنتهي حول حكمة الزعيم ومراعاته لمصلحة شعبه في كل خطوة يخطوها وكل حركة يتحركها.
قد لا يدعي أولئك القوم ما ادعاه النميري من أن في محاكمة المدنيين عسكريًا تشريفًا لهم، لكنا نراهم يصورون خصوم الحاكم - وغالبيتهم الآن من الإسلاميين - في صورة الإرهابيين المتعطشين دومًا للقتل وسفك الدماء، ولا يزالون في منهجهم ذاك حتى يعتقد الناس أن هؤلاء المخالفين ليسوا بشرًا من البشر، بل هم شياطين لا يستحقون أصلًا أن يحاكموا إلى محاكم لا مدنية ولا عسكرية، وإنما علاجهم هو ما كان يراه الهالك زكي بدر من الضرب في سويداء القلب بلا اتهام ولا محاكمة.
فإذا أعيتهم الحيل في وصم بعض المخالفين بالإرهاب، قالوا عنهم - كما جاء في مذكرة قدمتها الجهات الأمنية في مصر مؤخرًا ضد بعض الإسلاميين - إنهم يهدفون إلى:
"زعزعة الاستقرار في البلاد بالدعوة إلى التظاهر ضد الحكومة لتخاذلها عن نصرة الشعب الفلسطيني، وعمالتها لدولة أجنبية."
وإنهم يحملون نظام الحكم المسؤولية عن مشاكل اجتماعية واقتصادية بينها ارتفاع معدلات البطالة.
وإنهم عقدوا لقاءات وأجروا اتصالات مع عناصر إجرامية للمشاركة في مظاهرات للاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة ومقاومة رجال الشرطة"."
وهي تهم تكفي لمحاكمتهم أمام محكمة عسكرية.
إنه نفس المنطق الفرعوني في التلبيس والتدليس وقلب الحقائق، بحيث يغدو المصلح مفسدًا والمفسد إمام المتقين: {وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد} [غافر: 26] .
وكثير من المسلمين - حتى من عوامهم - يتهكمون من هذا المنطق الفرعوني ويقولون إذا سمعوا هذه الآية:"انظروا إلى رأس الفساد في الأرض يزعم أنه حريص على انتشار الصلاح في البلاد، ويخشى من ظهور الفساد بسبب دعوة موسى عليه السلام".
لكنهم لا يفطنون إلى أن فراعنة العصر الحديث يسيرون على نفس درب سلفهم الأكبر، وأن كلمة فرعون هي عينها كلمة كل طاغية مفسد عن كل داعية مصلح، كما يذكر الأستاذ سيد قطب رحمه الله: (إنه منطق واحد يتكرر كلما التقى الحق والباطل، والإيمان والكفر، والصلاح والطغيان، على توالي الزمان واختلاف المكان، والقصة قديمة مكررة، تعرض بين الحين والحين) [الظلال: 5/ 3078] .
كما أنه نفس منطق فرعون في حمل الناس على رأيه وقسرهم عليه بدعوى أنه أعرف منهم بما يصلح لهم {ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد} [غافر: 29] .
فهو القيم على عقول العباد، وكل ما يختاره لهم هو الرشد والصواب،"وهل يرى الطغاة إلا الرشد والخير والصواب؟! وهل يسمحون بأن يظن أحد أنهم قد يخطئون؟! وهل يجوز لأحد أن يرى إلى جوار رأيهم رأيًا؟! وإلا فلم كانوا طغاة؟!" [الظلال: 5/ 3080] .
ربما كان الفارق الوحيد بين فرعون القديم، وأحفاده الفراعنة الجدد أن فرعون القديم كان شديدًا على قومه وعلى أعدائه خارج البلاد في نفس الوقت، أما هؤلاء فإنهم بالقدر الذي يذيقون مخالفيهم من بني جلدتهم العذاب ألوانًا، فإنهم كالحملان الوديعة مع أعداء الأمة من اليهود والأمريكان.
بل لم يكن الدكتور محمد عباس مبالغًا حين ذكر - في مقال له بجريدة الشعب المصرية - أن مهمة حكامنا التي جيء بهم من أجلها، ويقومون بها خير قيام هي حماية"إسرائيل".
وفي الوقت الذي يلهث فيه حكامنا وراء سراب سلام ذليل مع دولة العدو، نراهم يرفضون منطق الحوار مع مخالفيهم من بني جلدتهم، إلا إذا كان على الطريقة التي يمارسها معهم بوش وشارون.
وخذ مثالًا على ذلك؛ ما كان يحدث من مواجهات بين الشرطة وبعض الفصائل الإسلامية في مرحلة التسعينات وكيف أن النظام كان يصم آذانه عن كل محاولة لوقف مثل هذه المواجهات مع أنه كان يتدخل في بعض تلك الوساطات رجال لهم وزنهم مثل الشيخ الشعراوي والشيخ الغزالي عليهما رحمة الله، وكل متابع منصف للواقع المصري في العقدين السابقين يعلم أن السياسات القمعية التي اتبعها النظام المصري خصوصًا منذ تولي اللواء زكي بدر وزارة الداخلية هي السبب المباشر لتلك الأحداث، بل كانت سياسة النظام في بعض الفترات هي إذكاء نار تلك المواجهات واستمرار أوارها.
وقد ذكر الدكتور عبد الصبور شاهين في [عدد 6/ 7/2000 من مجلة الأهرام العربي] أنه اتفق مع الدكتور عبد المنعم النمر على التوسط من أجل إرخاء التوتر القائم بين الجماعة الإسلامية والدولة، وأن الدكتور النمر ذهب إلى زكي بدر يكلمه في ذلك، ففوجئ به يقول له: (إنتو ناس بتوع فتة، والعيال اللي بتتكلموا عنهم قبضنا على مجموعة منهم بالأمس، ووجدنا معهم كشفًا بالأشخاص المطلوب تصفيتهم جسديًا) ، وأخبره أن اسمه واسم الدكتور عبد الصبور شاهين على رأس القائمة، وقال الدكتور شاهين؛ إنه لما قابل زكي بدر أكد له أنه مطلوب قتله، وأنه سيلحق بالشيخ الذهبي، وصرح له باقتناء مسدس للدفاع عن نفسه، ثم ذكر الدكتور عبد الصبور شاهين أنه تأكد بعد ذلك أن كل ما قاله الوزير كان كذبًا، وأنه إنما قاله رغبة في إبعاد فكرة المصالحة عن ذهنه حتى يستمر القلق ويبقى التوتر ويظل هو في منصبه.
أما الحالة الوحيدة التي يرضى فيها الحاكمون بالحوار والمصالحة؛ فهي تلك التي يأتي فيها أولئك المعارضون مستسلمين تائبين معلنين مسؤوليتهم عن كل ما حدث وما لم يحدث، وأن أجهزة النظام معذورة في كل ما فعلت وستفعل من بطش وتنكيل.
وربما لا يقبل منهم إلا أن يفعلوا مثل ما فعل ذاك الشاب المسكين الذي وقعت قصته في الستينات من القرن الماضي، حيث قاده قدره إلى أن يسير قرب"فيلا"أشهر مطربة في ذلك الزمان، فهجم عليه كلبها فما تركه إلا وهو مثخن الجراح ممزق الثياب، ولما رفع صوته مطالبًا بحقه، اقتادوه لقسم الشرطة وبقي فيه أسبوعًا رأى فيه من ألوان التعذيب والإيذاء، ما جعله يقول لوكيل النيابة حين عرض عليه؛ (إنني لا أطالب بشيء، بل إنه شرف لي أن يعضني"كلب الست"وأن تترك أسنانه الكريمة بصماتها في جسدي، وكل ما أخشاه أن يكون الكلب قد أصيب بتسمم حين لامست شفتاه جسمي النحيل) ، وعند ذاك فقط سمحوا له بالعودة إلى منزله.
ولعله كان يردد في نفسه معنى تلك العبارات التي تخيلها شاعر العامية أحمد فؤاد نجم في قصيدته"كلب الست"على لسان"الشاويش":
انت فين والكلب فين انت قده يا اسماعين
طب دا كلب الست يا ابني وانت تطلع ابن مين