فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 87

فسُجّلت كل هذه الآيات، وكذلك الآيات: {عَبَسَ وَتَوَلَّى .. } ؛ والرسول -عليه الصلاة والسلام- أمرهم بأشياء ثم راجع نفسه وقال: (أنتم أعلم بأمور دنياكم) [1] فسجلت.

وكذلك الأنبياء كلهم، وسُجل في القرآن عتاب سيدنا يونس وعتاب سيدنا إبراهم، كلها سُجلت على الأنبياء، وكان تنبيهًا علنيًا لأخطاء حصلت مع أنبياء.

ثمّ من بعد الصحابة؛ فسُجّل كلّ شيء، ثم جاء من بعدهم العلماء وأئمة المذاهب فسُجلت كلّ الخلافات، ثم جاء علم الرجال وهو مفخرة لهذه الأمّة، فسُجّلت مواصفات الرجال وسُجّلت الكتب بعشرات آلاف من الأسماء من التابعين والرواة، فيُذكر الصالح بصلاحه، وإذا وَهِم يقولون: وَهِم، وإذا نسي يقولون: نسي، وإذا خرّف يقولون: خرّف، وإذا ضاعت مكتبته يقولون: ضاعت مكتبه، وكذلك إذا كان مجروحًا أو متروكًا أو كذّابًا.

الواقدي الذي كان من كبار كتّاب السير والتاريخ الإسلامي اتُّهم بالكذب، وكانت هناك مساجلات بينه وبين الإمام مالك [2] ، وعبد الله بن المبارك كان يتكلم على أحد أهل الحديث فقال:"كان إذا قيل لي هل تدخل الجنة أو تزور فلان؟ أقول لهم: أزور فلان ثم أدخل الجنة"؛ يعني يرى أنه لو تأخّر عن الجنة مقدار زيارته لهذا الرجل لاستحقّ هذا، قال:"فلّما رأيته لم يساوِ عندي بَعْرة" [3] اهـ.

فكلّ هذا سجّل في التاريخ بأسبابه، أنّ فلانًا فيه كذا وفلانًا فيه كذا، فالناس الذين تعرّض لهم ابتداءًا الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- حتى نتعلم منهم وحتى نتعلم أسلوب الإنكار العلني، ثم الصحابة حتى نعرف أن هذا

(1) صحيح أخرجه مسلم (2363) عن أنس، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- مر بقوم يلقحون، فقال: «لو لم تفعلوا لصلح» قال: فخرج شيصا، فمر بهم فقال: «ما لنخلكم؟» قالوا: قلت كذا وكذا، قال: «أنتم أعلم بأمر دنياكم» .

(2) الواقدي ضعيف اتّهم بالوضع، ولعّل الشيخ قصد بالمساجلات ما كانت بين مالك وابن إسحق صاحب السير لا الواقدي إذ الواقدي من تلاميذ مالك وليس من أقرانه، يقول الإمام الذهبي في (سير أعلام النبلاء) ط الحديث 6\ 502:"يحيى بن آدم: حدثنا ابن إدريس, قال: كنت عند مالك, فقال له رجل: إن محمد بن إسحاق يقول: اعرضوا علي علم مالك فإني بيطاره. فقال مالك: انظروا إلى دجال من الدجاجلة يقول: اعرضوا علي علم مالك."اهـ

(3) يقول الإمام الجرجاني في كتابه (الكامل في ضعفاء الرجال) 5\ 213:"حدثنا محمد بن عبد الرحمن الدغولي، حدثنا محمد بن عبد الله بن قهزاد سمعت أبا إسحاق الطالقاني يقول: سَمعتُ عَبد الله بن المُبَارك يقول: لو خُيِّرت بين أن أدخل الجنة، وأن ألقى عَبد الله بن محرر لاخترت لقاءه ثم أدخل الجنة، فلما رأيته كانت بعرة أحب إلي منه."اهـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت