الشاهد في الموضوع أنّه ليس هناك أحد قال لنا:"كذبت لم يحصل هذا"، ونحن مأمورون شرعًا أن نتكلم وليس لأحد أن يقول لنا لا تتكلموا، وإذا كان هو -في أحسن الاحتمالات- يرى أن هناك مصلحة شرعية أن لا يتكلم فلا يستطيع أن يلزمني شرعًا أنا أن لا أتكلم، فهو يرى مصلحة شرعية أن لا نتكلم وأنا أرى مصلحة شرعية أن نتكلم، فمن الذي سيحكم بيننا؟
فجئنا الآن بالدليل الشرعي على المسألة، والجلسة مفاجئة وإلّا لجئنا بأدلّة كثيرة جدًا.
ثم نأتي للدليل الواقعي: لماذا يجب أن نتكلم؟ البارحة عملت محاضرة للإخوة هنا بعنوان (الصراع على الشرعية) مدتها أربعة ساعات ونصف حول هذا السؤال، يا أخي الكريم هناك بُعْد سياسي وبُعْد عسكري لفتاوى هؤلاء العلماء.
نحن عندما نريد أن نقاتل الأمريكان نريد أن نجاهد في سبيل الله، نقول للناس أننا مسلمون نجاهد في سبيل الله لنا خطاب شرعي، الشيوعيون عندما يعملون ثورة يخاطبون العمّال ويخاطبون الفلاحين ويخاطبون الطبقات الكادحة، والقوميون عندما يخاطبون الناس لهم خطاب، والوطنيون عندما يخاطبون الناس لهم خطاب، ونحن وطنيون، ونحن مسلمون نجاهد في سبيل الله لنا خطاب، وهذا الخطاب يهدف لإسقاط شرعيّة الطرف الآخر؛ لأنّ حروب العصابات والثورات وحركات الانقلاب وكل الدعوات في التاريخ كان الصراع بين الطرفين فيها على الشرعية؛ من شرعي ومن ليس شرعي، ومن على صواب ومن على خطأ، فالذي يُثبت للناس أنه شرعي يكسب المعركة.
وحتى فرعون رمز الفرعنة والديكتاتورية في التاريخ جعل من حق سيدنا موسى أن يأتي معه أمام الملأ ويتناظروا، {فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى} [1] ، وحشر الناس لذلك.
لماذا أراد سيدنا موسى أن يجمع الناس؟ ولماذا أراد فرعون أن يجمع السحرة ويأتي بالحجج الباطلة؟ كسبًا للشرعية؛ فكل طرف يريد أن يُثبت للناس أنه على الحقّ، قال فرعون: إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا
(1) سورة طه الآية 58.