المستحيل على الأمريكيين أن يحتملوا العيش في عالم توجد به دول تأخذ قراراتها بعيدًا عن واشنطن. فإذا لم تكن أمريكا هي القوة الوحيدة التي تعطي الأوامر للعالم، فمن الأفضل أن نموت جميعا. أو على الأقل يموت الروس».
من جهته يناقش Peter Harris في مقالته: «بانخفاض حجم الجيش: هل تنتهي الهيمنة الأمريكية؟ - 14/ 7/2015» ، جدلية العلاقة بين الهيمنة وتخفيض عدد الجيش، وموقف النخبة السياسية الأمريكية من مسألة القيادة والهيمنة. ولا ريب أن التخفيض يتعلق بالتوجهات الإستراتيجية الجديدة وبالأزمات الاقتصادية والديون بالإضافة إلى التطور في عالم الحروب الرقمية. ويلاحظ Harris أن: «البعض تفاجأ من قرار الإعلان عن أنّ الجيش الأمريكي سوف يفقد 40 ألفًا من الجنود و 17 ألفًا من الموظفين المدنيين بحلول عام 2017» .. وأن: «هذه التخفيضات ليس لها علاقة بتقييم أوباما للبيئة الأمنية على المدى القصير، لكنها دليل قبول على المستوى الكلي من قِبل النخبة السياسية الأمريكية بأنه ينبغي السماح بتراجع التفوق العالمي للبلاد، ولاسيما من الناحية العسكرية» . وأكثر من ذلك أن: «الطبقة السياسية في الولايات المتحدة قد أذعنت بشكل فعّال في الغربلة للتراجع عن التفوق العسكري للبلاد» .
ويشير في موضع آخر، في إطار الجدل الدائر حول خفض الإنفاق، إلى أن: «الاختيار الضمني الذي يواجهه قادة أمريكا ينحصر بين الاستثمار للحفاظ على هيمنة الجيش أو قبول تقليص عدد القوات. بهدوء، وعلى مضض، وربما حتى عن غير قصد، تميل السياسات المالية في أمريكا إلى الخيار الأخير» .
في عرضه لتاريخية انتشار الجيش الأمريكي، وقدرته على خوض حروب متعددة في وقت واحد، يكشف الكاتب عن مخاطر تتهدد القدرة على الانتشار بفعالية. وبحسب خطط الإنفاق الحالية، فإن: «التوقعات تشير إلى أن الجيش الأمريكي سوف ينخفض إلى حوالي 420 ألف جندي، وهو الحجم الذي حذّر المخططون العسكريون أنّ من شأنه أن يخاطر بقدرة الجيش على الانتشار بفعالية في مناطق الحروب المتعددة في وقت واحد» . وبحسب منطق الرئيس جون كنيدي: «كان من المفترض أن يكون الجيش قادرًا على شن حربين ونصف على نطاق واسع في وقت واحد» ، لكن بدلا من القدرة على «خوض ثلاث حروب ونصف في وقت واحد» ، بحسب خطط وزير الدفاع، كاسبر واينبرغر، في ثمانينات القرن الماضي، انتهت الطموحات لدى روبرت غيتس سنة 2010 إلى التأكيد على أن: «الولايات المتحدة لم تعد مستعدة لخوض حربين في وقت واحد، وتفضل بدلًا من ذلك تنظيم نفسها لمواجهة التهديدات غير التقليدية مثل الأمن الإلكتروني والإرهاب» .
هذا التحول، سواء في القدرة أو الطموح، دفع الكاتب للقول بأن: «هذه الجاذبية البعيدة عن التخطيط للقتال والفوز بالحروب البرية الكبيرة سوف تزداد إذا تقلص حجم الجيش على نحوٍ غير مسبوق منذ الحرب العالمية الثانية» .. ويضيف أنه: «بمجرد أن تفقد الولايات المتحدة قدرتها ورغبتها في الحفاظ على الهيمنة العسكرية فوق جميع جيوش العالم، سيكون من الممكن طرح سؤال منطقي وهو: ما هي الجدوى من وجود جيش مكوّن من 420 ألف جندي أو 400 ألف أو حتى 300 ألف؟» .
لذا، وأمام هذه المعطيات، لم يجد الكاتب بدًا من التذكير بما كتبه زميله، تشارلز كروثامر، قبل نحو ربع قرن حين قال: «إن أكبر تهديد يواجه "اللحظة الأحادية القطب" لأمريكا لن يكون التحدي الخارجي لهيمنة الولايات المتحدة، وإنما عدم الرغبة المحلية في دفع ثمن القيادة الدولية. وفي الآونة الأخيرة، ذكر روبرت ليبر الشيء نفسه بشكل مقنع» . ولعل أميز ما في هذه الفقرة، أنها قيلت على لسان كروثامر، في زمن لم تكن فيه أزمات اقتصادية حادة كما هو اليوم، ولا جماعات