فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 38

المسافر في شهر رمضان

9-ومن أحكام الصيام أن المسافر في شهر رمضان يجوز له أن يفطر مدة سفره، ثم يقضي عدة الأيام التي أفطرها لقول الله - تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ أي فأفطر فعليه عدة من أيام أخر.

والمسافر الصائم في شهر رمضان مُخيَّر بين الصيام والإفطار مع القضاء لما ثبت في الصحيحين عن عائشة - رضي الله عنها - أن حمزة بن عمرو الأسلمي - رضي الله عنه - قال للنبي -صلى الله عليه وسلم- أأصوم في السفر؟ وكان كثير الصيام فقال: إن شئت فصم وإن شئت فأفطر .

ولما ثبت في الصحيحين عن أنس - رضي الله عنه - قال: كنا نسافر مع النبي -صلى الله عليه وسلم- فلم يُعِب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم . ولفظ مسلم سافرنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في رمضان, فلم يُعِب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم .

ولما ثبت في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: كنا نغزو مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في رمضان فمنا الصائم ومنا المفطر, فلا يجدُ الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم يرون أن من وجد قوة فصام فإن ذلك حسن، ويرون أن من وجد ضعفا فأفطر فإن ذلك حسن .

وإذا شق على المسافر الصوم كُره له أن يصوم كما ثبت في الصحيحين من حديث جابر - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في سفر فرأى زحاما ورجلا قد ظُلِّل عليه فقال:"ما هذا؟"قالوا: صائم فقال:"ليس من البر الصيام في السفر".

ولما ثبت في صحيح مسلم عن أنس - رضي الله عنه - قال: كنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في السفر فمنا الصائم ومنا المفطر, قال: فنزلنا منزلا في يوم حار أكثرنا ظلًّا صاحب الكساء, ومنا من يتقي الشمس بيده, قال فسقط الصوام وقام المفطرون فضربوا الأبنية وسقوا الركاب, فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-"ذهب المفطرون اليوم بالأجر".

وإذا وجد المسافر من نفسه قوة، وتحمُّلًا فصام فحسن لما ثبت في الصحيحين من حديث أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال: خرجنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بعض أسفاره في يوم حار حتى يضع الرجل يده على رأسه من شدة الحر, وما فينا صائم إلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعبد الله بن رواحة .

وفي رواية مسلم من طريق سعيد بن عبد العزيز خرجنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في شهر رمضان في حر شديد حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر, وما فينا صائم إلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعبد الله بن رواحة .

وعن حمزة بن عمرو الأسلمي - رضي الله عنه - أنه قال: يا رسول الله أجد بي قوة على الصيام في السفر فهل عليّ جُناح؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: هي رخصة من الله, فمن أخذ بها فحسن, ومن أحبَّ أن يصوم فلا جناح عليه أخرجه مسلم في صحيحه .

وإذا صام أياما من رمضان، ثم سافر جاز له أن يفطر لما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خرج إلى مكة في رمضان - وفي مسلم عام الفتح - فصام حتى بلغ الكديد أفطر, فأفطر الناس - والكديد ماء بين عُسفان وقُديد .

وفي صحيح مسلم عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: سافر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في رمضان فصام حتى بلغ عسفان ثم دعا بإناء فيه شراب، فشربه نهارا ليراه الناس، ثم أفطر حتى دخل مكة قال ابن عباس - رضي الله عنهما - فصام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأفطر, فمن شاء صام ومن شاء أفطر .

ومن هذه النصوص يظهر منها الدلالة على أن المسلم إذا سافر في رمضان، أو غيره فهو مخير بين الصيام والإفطار، وهو مذهب جمهور العلماء خلافا لبعض أهل الظاهر القائلين بأنه لا يجزئ الصوم في السفر عن الفرض, وأن من صام في السفر لم ينعقد صومه ووجب عليه قضاؤه في الحضر لظاهر قوله - تعالى-: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ فإن هذا القول ضعيف، بل باطل لدلالة السنة الصحيحة الصريحة على بطلانه, وقابلهم طائفة فقالوا: إن الفطر في السفر لا يجوز إلا لمن خاف على نفسه الهلاك، أو المشقة الشديدة, وعليه فالصوم في السفر واجب وهذا القول باطل أيضا. لكن إن شق عليه الصيام, فالصيام في حقه مكروه, ولهذا ثبت في صحيح مسلم عن جابر - رضي الله عنه - أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما خرج عام الفتح إلى مكة صام حتى بلغ كُراع الغميم ثم أفطر لما قيل له: إن بعض الناس شق عليهم الصيام, وأمر الناس بالفطر, أخرج هذه الزيادة الطحاوي من طريق أبي الأسود عن عكرمة ولفظه: فلما بلغ الكديد بلغه أن الناس يشق عليهم الصيام . وفي صحيح مسلم عن جابر فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام، فقال"أولئك العصاة , أولئك العصاة". وذلك لأن هؤلاء الذين صاموا خالفوا أمره بالفطر, وصاموا مع المشقة.

لكن اختلفوا في الأفضل منهما فقال بعضهم: الصيام أفضل من الفطر لمن قوي عليه بلا مشقة ظاهرة، ولا ضرر لحديث أبي سعيد الخدري السابق أن الصحابة مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منهم الصائم ومنهم المفطر لا يعيب بعضهم على بعض, يرون أن من وجد قوة فصام فحسن, ومن وجد ضعفا فأفطر فحسن؛ ولأن الصيام فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- ولأنه أسرع في براءة الذمة, وقال الحافظ في الفتح والنووي في شرح مسلم إنه قول الأكثرين وهذا هو الأرجح والمختار في نظري.

وقال بعضهم: الفطر أفضل من الصيام لحديث حمزة بن عمرو الأسلمي وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال له: هي رخصة من الله فمن أخذ بها فحسن, ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه فإن ظاهره ترجيح الفطر على الصيام.

وقال بعضهم: الفطر والصوم سواء ليس أحدهما أفضل من الآخر لتعادل الأحاديث والله أعلم بالصواب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت