12-ومن أحكام الصيام استحباب تعجيل الفطر إذا تحقق غروب الشمس بالرؤية، أو بإخبار ثقة عدل, لما ثبت في الصحيحين من حديث سهل بن سعد - رضي الله عنه - أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: لا يزال الناس بخير ما عجَّلوا الفطر . وذلك لأن تعجيل الفطر يدل على الامتثال، وتأخيره يدل على الغلو كما يفعله اليهود والنصارى وكما يفعله بعض الطوائف المنحرفة في تأخير الفطر إلى ظهور النجوم, وفي سنن أبي داود وابن خزيمة وغيرهما"لأن اليهود والنصارى يؤخرون". وقد روى ابن حبان والحاكم من حديث سهل بلفظ لا تزال أمتي على سنتي ما لم تنتظر بفطرها النجوم .
ومن الأدلة على استحباب تعجيل الإفطار ما ثبت في الصحيحين عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إذا أقبل الليل من هاهنا - أي جهة المشرق- وأدبر النهار من هاهنا - أي من جهة المغرب- وغربت الشمس فقد أفطر الصائم .
قال البخاري - رحمه الله: وأفطر أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - حين غاب قرص الشمس . وثبت في الصحيحين عن عبد الله بن أبي أوفى - رضي الله عنه - قال: كنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في سفر، وهو صائم - وفي مسلم في سفر في شهر رمضان-, فلما غابت الشمس قال لبعض القوم: يا فلان: قم فاجدح لنا -ولفظ مسلم انزل فاجدح لنا-, فقال: يا رسول الله لو أمسيت, قال: انزل فاجدح لنا, قال: يا رسول الله لو أمسيت, قال: انزل فاجدح لنا, قال: إن عليك نهارا, قال: انزل فاجدح لنا. فنزل فجدح لهم, فشرب النبي -صلى الله عليه وسلم- ثم قال: إذا رأيتم الليل قد أقبل من هاهنا فقد أفطر الصائم. ولفظ مسلم ثم قال بيده: إذا غابت الشمس من هاهنا وجاء الليل من هاهنا فقد أفطر الصائم .
والجدْحُ: وضع الماء في السويق، وتحريكه بعود، ونحوه ليختلط.
وهذه الأحاديث تدل على أنه لا عبرة بالحمرة والبياض الذي يبقى بعد غروب الشمس, وأنه لا يمنع الصائم من الفطر, وفيه جواز مراجعة المفضول للفاضل فيما قد يُظن خفاؤه على الفاضل.
وفي صحيح مسلم عن أبي عطية قال: دخلت أنا ومسروق على عائشة - رضي الله عنها - فقلنا: يا أم المؤمنين رجلان من أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- أحدهما يعجل الإفطار، ويعجل الصلاة, والآخر يؤخر الإفطار، ويؤخر الصلاة, قالت: أيهما الذي يعجل الإفطار، ويعجل الصلاة, قال قلنا: عبد الله بن مسعود قالت: كذلك كان يصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم زاد أبو كريب والآخر أبو موسى .
وإذا أفطر في رمضان يظنُّ الشمس قد غربت ، ثم طلعت الشمس وجب قضاء ذلك اليوم في أصح قولي العلماء، وهو قول جمهور العلماء, لما ثبت في صحيح البخاري عن أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنهما- قالت: أفطرنا على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم غيم، ثم طلعت الشمس, قيل لهشام بن عروة راوي الحديث, فأُمروا بالقضاء قال: بُدٌّ من قضاء .
ويؤيد القول بوجوب القضاء أمران أحدهما: أن راوي الحديث هشام بن عروة جزم بذلك فقال: (بد من قضاء) قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله-:"قوله: بد من قضاء"هو استفهام إنكار محذوف الأداة, والمعنى: لا بد من قضاء, ووقع في رواية أبي ذر"لا بد من القضاء"اهـ.
الثاني: القياس: فلو غُمَّ هلال رمضان فأصبحوا مفطرين، ثم تبيّن أن ذلك اليوم من رمضان فالقضاء واجب بالاتفاق, فكذلك هذه المسألة إذا أفطر في يوم غيم، ثم طلعت الشمس وجب القضاء.
وذهب آخرون من أهل العلم إلى أنه لا يجب قضاء ذلك اليوم، ويمسك بقية النهار عن الأكل حتى تغرب الشمس, وشبهوه بمن أكل ناسيا في الصوم . وهو قول أحمد في رواية, وإسحاق وابن خزيمة وأهل الظاهر وهو قول مجاهد والحسن ووجه هذا القول كما قال ابن المنير"أن المكلفين إنما خوطبوا بالظاهر, فإذا اجتهدوا فأخطئوا فلا حرج عليهم في ذلك"وهذا اختيار شيخ الإسلام -رحمه الله- في رسالته حقيقة الصيام, والذي يترجح لي قول الجمهور وأنه يجب القضاء وأن المكلف إذا أخطأ فلا إثم عليه كما قال ابن المنير لكن نفي الإثم والحرج لا يلزم منه عدم وجوب القضاء, والله أعلم بالصواب.