13-ومن أحكام الصيام استحباب السحور واستحباب تأخيره، قال الله - تعالى-: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ وثبت في الصحيحين عن ابن عمر - رضي الله عنهما- قال: كان لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- مؤذنان: بلال وابن أم مكتوم الأعمى , فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم قال القاسم بن محمد أحد رواة الحديث:"ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا، ويرقى هذا".
ومقصود القاسم بن محمد - وهو ابن أخي عائشة رضي الله عنها- وهو القاسم بن محمد بن أبي بكر مقصوده من قوله: ( ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا، ويرقى هذا) المبالغة في قصر المدة التي بينهما بدليل أن الحديث صريح في أن بلالا يؤذن بليل قبل الصبح، ثم يؤذن بعده ابن أم مكتوم إذا طلع الصبح, وقد جاء تحديد المدة بين السحور والأذان في حديث زيد بن ثابت - رضي الله عنه - وأنها قدر خمسين آية، وهي مع الترتيل كافية لطلوع الفجر, ففي الصحيحين عن زيد بن ثابت - رضي الله عنه - قال: تسحَّرنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم قام إلى الصلاة, قلت: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية .
ومن الأدلة على استحباب السحور, واستحباب تأخيره: ما ثبت في الصحيحين عن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تسحروا فإن في السَّحُور بركة . وفي صحيح مسلم عن عمرو بن العاص - رضي الله عنه - أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السّحر .
وفي صحيح البخاري عن سهل بن سعد - رضي الله عنه - قال: كنت أتسحر في أهلي، ثم تكون سرعتي أن أدرك السجود مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وروى البخاري في المواقيت بلفظ:"أن أدرك صلاة الفجر". وفي رواية الإسماعيلي"صلاة الصبح". وفي صحيح مسلم عن سمرة بن جندب - رضي الله عنه - عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: لا يغرنكم نداء بلال ولا هذا البياض حتى يبدو الفجر أو قال:"حتى ينفجر الفجر".
ولكن السحور وهو الأكل في آخر الليل ليس بواجب، بل هو مستحب, والذي صرف بالسحور عن الوجوب إلى الندب والاستحباب هو أن النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه واصلوا يوما بعد يوم ولم يتسحروا, فدل على أن السحور ليس بواجب، بل هو مستحب كما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- واصل ولفظ مسلم واصل في رمضان فواصل الناس فشق عليهم, فنهاهم, قالوا: إنك تواصل, قال:"لست كهيئتكم"ولفظ مسلم إني لست مثلكم إني أظلُّ أُطعم وأُسقى .
وفي الصحيحين عن ابن عمر - رضي الله عنهما-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن الوصال, قالوا: إنك تواصل, قال: إني لست مثلكم إني أُطعم وأُسقى .
وفي الصحيحين عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الوصال رحمة لهم, فقالوا: إنك تواصل, قال: إني لست كهيئتكم, إني يُطعمني ربي، ويسقيني .
وفي الصحيحين عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الوصال في الصوم, فقال له رجل من المسلمين إنك تواصل يا رسول الله, قال: وأيكم مثلي؟ إني أبيت يُطعمني ربي، ويسقيني, فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوما، ثم يوما، ثم رأوا الهلال, فقال: لو تأخر لزدتكم, كالمنكِّل لهم حين أبَوْا أن ينتهوا .
وفي صحيح البخاري عن أنس - رضي الله عنه - عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:"لا تواصلوا"قالوا: إنك تواصل. قال: لست كأحد منكم إني أطعم وأسقى، أو إني أبيت أطعم وأسقى .
وفي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: لا تواصلوا, فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر, قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله, قال: لست كهيئتكم, إني أبيت لي مُطعم يطعمني وساقٍ يسقيني .
فهذه الأحاديث تدل على أن الأمر بالسحور مستحب وليس بواجب؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- واصل وواصل الصحابة, والوصال هو أن يصوم يومين فأكثر مع الليل فلا يفطر بالليل، ولا يأكل، ولا يشرب، بل يصوم الليل مع النهار.
ودلت هذه الأحاديث على أن الوصال في حق النبي -صلى الله عليه وسلم- مشروع وأنه من خصائص النبي -صلى الله عليه وسلم- حيث فعله، ونهى الأمة عنه. ودلت هذه الأحاديث على أن الوصال في حق الأمة مكروه؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عنه, والنهي للتنزيه لا للتحريم, والصارف له عن التحريم إلى التنزيه فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-: حيث واصل بالناس يوما بعد يوم, واصل بهم اليوم الثامن والعشرين من رمضان، ثم رأوا هلال شوال فقال:"لو تأخر الهلال لزدتكم"يعني: لواصلت بكم اليوم الثلاثين من رمضان. قال ذلك كالتنكيل والتعزير لهم حين أبوا أن ينتهوا.
فالوصال مكروه وليس حراما؛ لأنه لو كان حراما لما فعله النبي -صلى الله عليه وسلم- بهم، ودل حديث أبي سعيد السابق على جواز الوصال إلى السحر وأنه جائز غير مكروه, وذلك بأن يجعل عَشَاءه سحورًا، ولا يأكل إلا مرة واحدة, لكن تركه أفضل للأحاديث التي فيها الحث على المبادرة إلى الفطر، وتعجيله بعد غروب الشمس.
والعلماء لهم في حكم الوصال أربعة أقوال:
أحدهما: أن الوصال حرام.
الثاني: أنه مكروه.
الثالث: أنه جائز لمن قدر عليه.
الرابع: أنه جائز إلى السحر.
وأرجحهما أن الوصال بين اليومين مكروه, وجائز إلى السحر، وتركه أفضل, هذا هو الذي يظهر لي من الأدلة, وبه تجتمع الأدلة، ولا تختلف. والله الهادي إلى سواء السبيل . وقد اختلف العلماء في معنى قوله، -صلى الله عليه وسلم-: إني أبيت يُطعمني ربي، ويسقيني على قولين:
أحدهما: أنه على حقيقته وعلى ظاهره, وأنه -صلى الله عليه وسلم- كان يُؤتى بطعام وشراب من عند الله, فهو يُطعم من طعام الجنة كرامة له في ليالي صيامه, وعليه فيكون الإطعام والإسقاء حسيا, وهذا القول ضعيف لأمرين: أحدهما: أنه لو كان يُؤتى بطعام وشراب من الجنة لم يكن مواصلا، بل مفطرا وقد أقرَّهم على قولهم له (إنك تواصل) . ثانيهما: أن قوله في الحديث: إني أظل يُطعمني ربي، ويسقيني يدل على وقوع ذلك بالنهار؛ لأن لفظة (يظل) لا يكون إلا في النهار, ولو كان الأكل والشرب حقيقة لم يكن صائما.
الثاني: أن الإطعام والإسقاء معنوي، وهو ما يفتح الله على نبيه -صلى الله عليه وسلم- من موادّ أنسه، ونفحات قدسه, والتلذذ بمناجاته, وموارد لطفه وذكره ودعائه, مما يغنيه عن الطعام والشراب، ويجعل فيه قوة الطاعم الشارب، ويسد مسدّ الطعام والشراب، ويقوى على أنواع الطاعة من غير ضعف في القوة، ولا كلال في الإحساس، وهذا قول الجمهور، وهو الصواب والله الموفق.
وما يفعله بعض الناس من الأكل نصف الليل والنوم بعد ذلك فيه مخالفة للسنة من الأكل في السحر آخر الليل, وإذا كان لا يستيقظ لصلاة الصبح إلا بعد طلوع الشمس متعمدا فقد أضاع فريضة عظيمة هي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وهو متوعد بقول الله - تعالى-: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا إلى قوله -تعالى-: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ إذ المؤخر للصلاة عن وقتها متعمدا من غير عذر داخل في إضاعة الصلاة والسهو عنها فله نصيب من هذا الوعيد الذي ترتعد له الفرائص، وتتزلزل له القلوب الحية, نسأل الله أن يهدينا وإخواننا المسلمين سواء السبيل.